المقريزي
387
المقفى الكبير
فسار في رجب سنة ستّ عشرة وسبعمائة يريد مكّة . فبلغ خبره محمد بن عيسى أخا مهنّا بن عيسى - وقد بلغه موت خربندا - وبيّت عسكر حميضة فقتل كثيرا من المغل . وفرّ حميضة ، وأسر محمد منهم أربعمائة وغنم سائر ما معهم ، وكان شيئا كثيرا ، وبعث يبشّر السلطان بذلك . فنجا حميضة ومعه أميران من أمراء المغل في نحو خمسين من التتر ، ومضى إلى مكّة . فلمّا قاربها بعث يرغّب أخاه رميثة في إقامته معه شريكا له . فأبى عليه وبعث يستأذن السلطان في ذلك . فأجابه بأن لا يمكّن من مكّة حتى يحضر إلى مصر ، ويقيم بها تحت ظلّ السلطان وله الأمان . فاستمال حميضة قوّاد مكّة حتى وافقوه وقاموا معه ففرّ رميثة إلى مصر ودخل حميضة إلى مكّة عنوة وقطع اسم الملك الناصر من الخطبة ، ودعا لأبي سعيد بن خربندا صاحب العراق ، ومدّ يده فأخذ أموال التجّار ومياسير الناس . فلمّا قدم رميثة إلى مصر وأعلم السلطان بذلك ، جرّد معه الأمير صارم الدين أزبك الجرمكي وبهادر الإبراهيمي على ثلاثمائة فارس . فساروا به مع الركب في شوّال سنة سبع عشرة ، فانهزم حميضة بين أيديهم من غير قتال حتى انقضى الموسم وعاد العسكر من مكّة . [ ف ] قدم إليها وأقام خارجها [ 419 أ ] ، وأخوه رميثة بها ، وبعث يسأل أن يعفى عنه . فبعث السلطان في سنة ثماني عشرة الأمير أيتمش المحمّديّ ، ومعه بهادر السعيديّ الكركي ، أمير علم ، على خمسين جنديّا ، وكتب أمانا لحميضة . فلمّا نزلوا بطن مرّ تلقّاهم رميثة ، ووقف على أمان أخيه [ ف ] سرّ به وأعلمهم أنّه نازل عند بني شعبة . فبعث إليه أيتمش يخبره بأنّه حضر بالأمان حسب سؤاله ، ودعاه إلى الحضور . فتعلّل بأنّه لا يجد ما يتركه عند أهله إذا فارقهم ، وأنّه مقيم بهم في جوار بني شعبة . فبعث إليه أيتمش حملين بشماط « 1 » وحملين دقيقا وحمل سكّر وألف درهم فضّة . فقبل ذلك وامتنع بقلعة منيعة على مسافة ثلاثة أيّام من مرّ تعرف بريمة . فشقّ ذلك على أيتمش ، وركب إليه . ومرّ على وادي نخلة وعبر الوادي حتى نزل تحتها في اليوم الثاني ، فإذا هي فوق جبل عال ، وبها حميضة في ألفي رجل ، وتحته فرس . فتلقّوا أصحاب أيتمش بالحجارة حتّى كادوا أن يهلكوا ، وأحجمت خيلهم عن اقتحام الأوعار . فترجّل أيتمش بمن معه ، ووالوا رشقهم بالسهام وقتلوا منهم خمسين [ 537 أ ] وجرحوا مائتين . فانهزم حميضة ، وصعد القوم الجبل فلم يقفوا له على خبر . وأسروا كثيرا من رجاله ثمّ أفرجوا عنهم ، وعادوا . وكتب أيتمش بذلك إلى السلطان . فلمّا رجع أيتمش وقع الصلح بين حميضة وأخيه رميثة فغضب السلطان على رميثة وجرّد الأمير بدر الدين محمد بن عيسى بن التركمانيّ فقبض على رميثة وحمل إلى مصر ، وولّى السلطان عوضه عطيفة بن أبي نميّ . فسار حميضة إلى البرّ وأقام به ، يتنقّل فيه إلى عدّة مواضع . فلمّا حجّ السلطان في سنة تسع عشرة وعاد ، هرب منه ثلاثة مماليك وقصدوا اللحاق بالسلطان أبي سعيد بن خربندا ملك التتار ، وأعطوا بدويّا مائتي دينار ، فسلك بهم من بطن مرّ على وادي نخلة ، فصدفهم حميضة وهو يتصيّد . فسلّم عليهم وسألهم عن خبرهم ومال بهم إلى بيوته وأضافهم . فأعلموه بأنّهم يريدون العراق ، فوعدهم أن يسير بهم إلى أبي سعيد ويجعلهم من جملة أمرائه ، فأقاموا عنده . وكان أحدهم شابّا جميلا ، فاختصّ
--> ( 1 ) البشماط : كعك غير محشوّ ( دوزي ) .