المقريزي

358

المقفى الكبير

الحسن بن بويه إلى مصر ، وذلك أنّ أحد جواسيسه العائدين من مصر ذكر له أنّه تقدّم إلى شيخ حلاويّ في زقاق القناديل بمصر ، ودفع إليه درهما تاجيّا « 1 » ليبتاع به شيئا ممّا بين يديه ، فردّه إليه وتنازعا فيه ، فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم ، وأنّه سأل عن اسم الحلاويّ حتّى عرفه . فبينا أبو عبد اللّه الحسين هذا في منزله إذ طرق بابه نقيب ، ومعه نفّاط ، فجزع وخرج إليه فقال له النقيب : الشيخ الجليل ابن محمان يستدعيك . ( قال ) فمضيت إليه فوجدت عنده فرّاشا من دار عضد الدولة ، فقال لي : « إنّ مولانا سأل عن صانع حاذق يعمل تماثيل الحلواء ، فوصفت له ورسم إنفاذك [ 409 ب ] إليه » . فقلت : السمع والطاعة ! وأخذ الفرّاش يدي وأدخلني على عضد الدولة . فلمّا رأيته قبّلت الأرض مرارا ، فقال : لعلّك ارتعت وانزعجت ، فلا بأس عليك ، وما دعوناك إلّا لخير ، وقد احتجنا إلى استخدامك في أمر تنفذ فيه إلى الموصل ، وتقدّمنا بإطلاق نفقة لك تجعلها لعيالك . فخذها من أبي الثناء شكر . فانصرف وانظر في أمرك ، وادفع النفقة لأهلك ، ولا تعرض أنت لأخذ شيء منها ، فإنّك في طريقك في غير حاجة إليها . ( قال ) فخرجت وخرج شكر فأعطاني عشرين دينارا ، وانصرفت وذكرت لأهلي ما رسم لي ودفعت إليهم الدنانير ، ووصّيتهم بما أريد . ثمّ استدعيت إلى حضرة عضد الدولة . فقال : تخرج مع من نسلّمك إليه وتسير معه إلى مصر . فإذا حصلت بها فاقصد باب الجامع واسأل عن منير الخادم الأبيض الذي يبيع الفراخ المسمّنة . فإذا رأيته فقل : « صديقك يقرئك السلام » . فسيقوم من موضعه ويمشي ، فاتّبعه فإذا دخل إلى منزله فادخل . ولا تسأل فإنّه سيكرمك . وإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي عليك والبس الثياب التي يسلّمها إليك وخذ منه ما تريد لنفقتك ومؤونتك ، واقصد بعد ذلك زقاق القناديل ، فإنّك سترى فيه شيخا حلاويّا اسمه كذا ، ويعرف بكذا . فاجلس عنده ، واذكر له صناعتك ومعرفتك بأمر الحلواء وعمل الجيّد منه وتوصّل إلى أن تعمل عنده ، وخفّف مؤونتك عليه ، ولا تطالبه بشيء . وإن دعاك إلى [ 544 أ ] منزله فامض معه . فإذا عملت معه وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة فاستأجر بإزاء دكّانه وابتع ما تريده من آلة ومتاع ، واستدع من منير الخادم ثمن ذلك . فقد تقدّمنا إليه بإزاحة علّتك . فإنّ زبون الحلاويّ سيعدل إليك ويقف أمره ويسألك الشركة ، فأجبه إليها وأقم معه شهرا . ثمّ أظهر شوقك إلى بغداد وعيالك ، وعظّم الكسب في عينه ، وابعثه على الخروج إليها ومشاهدتها ، وعده المواعيد الكثيرة فيما يتحصّل له منها وأنّك تنزله ببغداد في دارك وتجعله في دكّانك ، وأنّك قد ألفته ، فإن طابت بغداد له أحسنت إليه ، وإن آثر العود إلى [ مصر ] زوّدته من طرف العراق ما يعود به إلى أهله . واجتهد في حمله معك إلى حضرتنا وأخدم في ذلك خدمة تعرف جلادتك بها ، وتحظى بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ما تحتاجه لنفسك وله ، واحترس من حيلة تتمّ عليك ، واكتمه ما تقدّمنا به إليك . ( قال ) فلمّا سمعت ذلك قلت : السمع والطاعة ، وأرجو أن يوفّقني اللّه لما أهّلت له .

--> ( 1 ) الدرهم التاجيّ : لعلّه ممّا ضربه عضد الدولة البويهيّ ( ت 372 ) فلم ينفق في مصر . ولقبه تاج الملّة كما يدلّ عليه كتاب « التاجي في أخبار الدولة الديلميّة » الذي ألّفه له ابن هلال الصابيّ - انظر الأعلام 5 / 364 وكشف الظنون 270 .