المقريزي

359

المقفى الكبير

وأخذ شكر بيدي ، وعدل بي إلى موضع فنزعت ثيابي ودفع إليّ مبطّنة ومنديلا وشمشكا « 1 » وقال لي : امض مصاحبا ، ودفع إليّ عشرين دينارا وقال : « هذه نفقة طريقك » . ثمّ استدعى أعرابيّا اسمه حسّان وسلّمني إليه وقال : هذا الرجل ، فاحفظه وأوصله إلى حيث أمرت . فخرجنا إلى رحبة الجامع ، فإذا هناك أربعة أحمال ورجلان من العرب ، فركبنا وسرنا . فوصلنا إلى مصر في سبع وعشرين ليلة . فقال لي صاحبي الأعرابيّ : « امض في حفظ اللّه ! » ولا واللّه ما سألوني من أنا ، ولا في أيّ شيء توجّهت . وقصدت باب الجامع ، فإذا الخادم الأبيض ، وبين يديه قمطرات فيها فراخ مسمّنة . فقلت له : « صديقك يقرئك السلام » . فنهض ومشيت خلفه ، فدخل حجرة بالقرب من الجامع ودخلت معه فنزعت ما كان عليّ ولبست من عنده ثيابا نظافا . ودفع إليّ دينارا وقال : « امض إلى الحمّام ! » فدخلت الحمّام وخرجت ، وأكلت شيئا ، وقصدت زقاق القناديل ، ورأيت الشيخ وعرفته . وجرى أمري وأمره كما أمر عضد الدولة . ولم أزل ألطف به إلى أن أجاب ، ودفعت إليه خمسة دنانير لنفقة عياله ، وعزمنا على الخروج فعدت [ 544 ب ] إلى الخادم وودّعته . ولبست ثيابي التي وردت بها ورددت ما كنت لبست من عنده وأعطاني عشرين دينارا لنفقتنا وقال : الخبيث خارج معك ؟ قلت : وما يدريك ؟ قال : خبره عندي . وتوجّهت [ 410 أ ] أنا والشيخ حتى وردنا الموصل بعد أربعة وخمسين يوما ، وأهلي وأقاربي بها . فاستأجرنا ركوة « 2 » ، ومضى الملّاح إلى صاحب الخبر ليأخذ الكتب ، وأعلمه أنّ معه الحسين الحلاويّ وشيخا آخر ، وردا من مصر . ( قال ) فاستدعاني صاحب الخبر فسألني عن أمري فعرّفته أنّني كنت بمصر في أمور لي . وانحدرنا ووصلنا إلى بغداد في سحرة اليوم الرابع . فما شعرت إلّا ونقيب من الدار يستدعيني ومن معي ، فعجبت من ذلك ، وكان صاحب الخبر قد كتب بخبرنا فبادرت ، ومعي الشيخ ، وعبرنا إلى الدار ، وجلسنا إلى أن خلا وجه عضد الدولة . وأدخلت ، والشيخ معي ، وقد طار لبّه وعظم رعبه ، وأنا أسكّن منه ، وعدل بي إلى موضع فيه شكر . فنزعت ما كان عليّ من الثياب ، وأنا أراها وقد أخذت ، وحملت إلى حضرة الملك ، وأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي ، ومثلت بين يدي الملك عضد الدولة ، والشيخ معي . فقال : كيف جرى الأمر ؟ فقلت : على ما مثّله مولانا . ودعوت له . فقال للشيخ : أنت فلان بن فلان الحلاويّ ؟ قال : نعم . قال : لا تخف ، وإن كنت قد أسأت إلى نفسك وجشّمتها السفر عن منزلك بالفضول من قولك وفعلك . فبكى الشيخ بكاء شديدا . وتركه قليلا ثمّ قال له : يا هذا ، هبك رددت الدرهم الذي ضربناه ، ولم تحبّ أخذه من الرجل الغريب الذي وقف بك . فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه ؟ ولولا أنّ في تأديبك والتنكيل بك ، وأنت شيخ كبير ، ولعلّ وراءك من يتوقّعك ومادّته منك ،

--> ( 1 ) الشمشك : من ملابس الرعاة ( دوزي ) . ( 2 ) الركوة بالكسر : زورق صغير .