المقريزي
354
المقفى الكبير
وأخذ في تعديل من يؤثر تعديله . وأقطعه الحاكم عدّة دور ، منها دار بالقاهرة قريبة من الخليج ، فكان يركب النيل في عشاريّ « 1 » ، ويعبر الخليج إليها ، ومعه جميع الشهود على دوابّهم بحافّة الخليج يسايرونه حتى ينزل بداره . ثمّ يركب منها إلى القصر ، فإذا قضى الخدمة عاد إلى الدار وركب منها إلى داره بالحمراء « 2 » . ولا عن في ولايته بين رجل وامرأة « 3 » ، وضرب جماعة وشهّرهم على التزوير . [ تشدّده وقساوته ] وساير الحاكم في الموكب وهو بجانبه ، وقد شغل بمحادثته دون من عداه . فتجبّر وألزم الشهود بحضور مجلسه في داره وبالجامع على عادته ، وكان من أبطأ عن وقت الحضور وكلّ من يأخذ منه جعلا جيّدا بسبب تخلّفه . وألزم كتّابه بالجلوس في داره لتوقيعات الناس وضروراتهم . وكان في داره جماعة يكتبون مجالس الحكمة . وكان يتتبّع شهادات الشهود ، ويحكي في علامته بالثبوت تضمين ما يشهد به الشاهد عنده ، ويتتبّع قراءة ما سجّل به عنده ، ويقرؤه بنفسه قبل قراءته عليه وقبل أن يشهد به على نفسه . وكان يتفضّل على أهل العلم والفضل والأدب وأرباب البيوتات ، ويجري عليهم الجرايات ، ومنهم من يحمل إليه في كلّ شهر وفي كلّ سنة القمح وغيره من الصلات والملابس . وكان يتفضّل على حاشيته وخدمه . ومن قبيح أفعاله أنّه اختصّ قوما من الشيعة كان عمّه لا يجيز شهادتهم فجعلهم أمناء ، بهم يأخذ ويعطي ، فكثرت شهادتهم [ ب ] الزور على المستورين وآذوا الناس بأنواع الأذى ، واستخفّوا بهم وشتموهم . ثمّ صاروا يلقون الرجل من الناس فيلعنون الصحابة رضي اللّه عنهم ، وإن أنكر عليهم شهدوا عليه بما شاءوا ورفعوا أمره إلى القاضي حسين هذا . [ ومنها ] أنّ رجلا يعرف بحسين القصير لعن من يلعن أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فأمر به فأحضر إلى الجامع وأخبره بما شهدوا به عليه فقال : « ما لعنت أحدا وما أنا من أهل اللعن » ، واستخصم من شهد عليه . فقال له القاضي : « فالعن فلانا وفلانا » . فأبى أن يلعنهما فقال له : « الآن صدقوا فيما نقلوا عنك » . وأمر به فضرب ضربا وجيعا ، ثمّ استدعى صاحب الشرطة فضربه على باب الجامع وطوّفه . فأنكر الناس ذلك . وشدّد برجوان على القاضي حتّى قال له أبو العلاء [ 408 ب ] فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب برجوان : وحقّ أمير المؤمنين ، لو قال لي هذا - يعني برجوان - : العن أصحاب المسيح ! ما خدمته أبدا ولو قتلت . وأنت تكره الناس على اللعن ، فمن أمرك بهذا ؟ وكان سبب قتله أنّه رفع رجل إلى الحاكم أنّ أباه توفّي وترك له عشرين ألف دينار ، وأنّها في ديوان القاضي ، وقد أخذ منها رزق أوقات معلومة ، وعرّفه القاضي أنّ ماله نجز . فلمّا عاد الحاكم إلى القصر دعا بالقاضي ورفع إليه رقعة المتظلم . فقال كقوله للرجل من أنّه قد استوفى ماله عن آخره . فأمر بإحضار ديوان القاضي من ساعته وفتّش عن مال الرجل فوجد أنّ الذي وصل
--> ( 1 ) العشاريّ : عن هذا النوع من السفن ، انظر تعليق المرحوم الشيّال في الاتعاظ ، 1 / 313 هامش 1 . ( 2 ) الحمراء أحد مواقع ثلاثة بهذا الاسم . وقيل سمّيت الحمراء لنزول الروم بها . ( 3 ) قد سبق لعان مماثل في مدّة محمد بن النعمان . انظر ترجمته رقم 3444 .