المقريزي

353

المقفى الكبير

بصرفه عن القضاء بتولية عبد العزيز ، فقال : ما هذه الداهية على غفلة ؟ لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ! وأغلق بابه وصرف من عليه ، وسأل صاحبين له مواصلته ، فلزم داره وقد اشتدّ خوفه . وكانت مدّة ولايته القضاء خمس سنين وستّة أشهر وثلاثة وعشرين يوما . ثمّ قتله في سادس المحرّم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ، وأحرقه بعد قتله ، وهو أوّل قاض أحرق بعد قتله . وكانت له سير وأنباء ، منها أنّه تولّى عقد نكاح حظيّة الحاكم بأمر اللّه فخلع عليه وحمله ، ولم يحضر في ذلك غيره ، فركب إليه رجال الدولة وهنّئوه . [ شيء من أخباره ] وكان يواصل الجلوس بالقصر لقراءة ما يقرأ على الأولياء [ 408 أ ] والدعاة والمتّصلة « 1 » من مجالس الحكمة ، فكان يفرد للأولياء مجلسا ، وللخاصّة وشيوخ الدولة ومن يختصّ بالقصور من الخدم وغيرهم مجلسا ، ولعوامّ الناس والطارئين على البلد من النواحي مجلسا ، وللنساء في جامع القاهرة مجلسا ، وللخدم وخواصّ نساء القصر مجلسا . وكان يعمل مجالس الحكمة في داره ثمّ ينفذها إلى من يختصّ بخدمة الدولة . واتّخذ لهذه المجالس كتّابا يبيّضونها بعد عرضها على الحاكم بأمر اللّه . وكان يثبت في كلّ مجلس منها ما يتحصّل من مال النجوى « 2 » « 3 » من كلّ من يدفع شيئا من ذلك عينا وورقا من الرجال والنساء ، وتكتب [ 542 أ ] أسماء من يدفع شيئا زيادة على ما يدفعه . وكذلك في عيد الفطر يكتب ما يدفع عن الفطرة ، ويتحصّل من ذلك مال جليل فيحمله إلى بيت المال شيئا بعد شيء . ثمّ شرّفه الحاكم بأمر اللّه بالفطر معه في ليالي شهر رمضان سنة تسعين . وأصعده معه المنبر أيّام الأعياد . وخلع عليه بعد الضربة التي ضربها في الجامع . وتقدّم إلى جماعة من شيوخ الأضياف « 4 » بالركوب معه في كلّ مجلس يجلس فيه ، وتقدّم إلى عدّة من الرقّاصين « 5 » أصحاب السيوف المحلّاة بالمشي بين يديه في كلّ يوم . وكان إذا حضر إلى الجامع العتيق بمصر وقام يصلّي ، وقف خلفه الأضياف صفّا يسترونه ، ولا يصلّي أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه ، فيكونون قياما عن يمينه وشماله إذا جلس ، وهو أوّل قاض فعل معه هذا . وهو أيضا أوّل من كتب في سجلّاته « قاضي القضاة » . ثمّ علت منزلته وتخصّص بالحاكم . وكان له عند الحاكم من يسدّ غيبته ويذكره بالجميل ويحسّن أفعاله ، وكان أشدّ الناس في ذلك الأستاذ ريدان الصقلبيّ والأستاذ ريحان اللحياني ، والأستاذ مفلح اللحياني « 6 » ، فلا يزالون يعظّمون قدره ، ويشدّون أزره . فانبسطت يده وعظم شأنه ،

--> ( 1 ) لعلّه يعني بالمتّصلة خاصّة البلاط والخدم المقرّبين . ( 2 ) النجوى : تبرّع مالي يساوي ثلاثة دراهم وثلث درهم يقدّمه المريد الذي يتعلّم أصول الإسماعيلية . انظر : القاضي النعمان : المجالس والمسايرات ، 498 هامش 1 . ( 3 ) انقطاع في المخطوط الجديد مع تواصل الترقيم في الترجمة الموالية . ( 4 ) الأضياف : لعلّها لقب مخصوص بسامي الخدّام مثل الفتكين الضيف ( الكامل تحت سنة 393 ) ، وتعني هنا الحرّاس من العبيد . ( 5 ) الرقّاص هو الساعي بالبريد بين الخليفة ورجال دولته . ( 6 ) ريدان الصقليّ صاحب المظلّة ، هو الذي تولّى قتل برجوان . ومفلح اللحياني الخادم ولّاه الحاكم دمشق بعد تموصلت بن بكّار ( اتعاظ ، 1 / 302 ، وأمراء دمشق للصفدي ، 211 ) . وريحان اللحياني خادم أيضا ولكن لا نعرفه .