المقريزي

352

المقفى الكبير

[ إقراره على القضاء ثمّ صرفه ] وكثر كلام الناس في أمر القضايا والأحكام والظلامات ، وما يجري بينهم من الاختلاف في الترافع إلى قاضي القضاة الحسين ، وإلى عبد العزيز . فكتب الحاكم بخطّ يده بعد البسملة : « يا حسين ، أحسن اللّه إليك ، اتّصل بنا ما جرى من شناعات العوامّ ، ومن لا خير فيه ، وإرجافهم ، فأنكرنا أن يجري مثله فيمن يحلّ محلّك من خدمتنا إذ كنت قاضينا وداعينا وثقتنا . ونحن نتقدّم بما يزيل ذلك ، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا في شيء من القضايا والحكم ، ولا في شيء ممّا استخدمناك فيه ، ولا مكاتبة أحد من [ 541 ب ] خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحي ، ولا يكاتب أحدا منهم غيرك . ومن تسمّى غيرك بالقضاء ، فذلك على المجاز في اللفظ ولا على الحقيقة ، وقد منعنا غيرك أن يسجّل في شيء فنتقدّم إلى جميع الشهود والعدول بأن لا يشهدوا في سجلّ لأحد سواك . وإن تشاجر خصمان فدعي أحدهما إليك ودعا « 1 » الآخر إلى غيرك ، كان الداعي إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا أو مكرها . فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام ، مستعينا باللّه عزّ وجلّ ، ثم نناولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك في الدنيا والآخرة . وقد أذنّا لك أن تكاتب جميع من يكاتب القاضي ب « قاضي القضاة » ، كما جعلناك ، ويكاتبك جميع من تكاتبه بذلك وتكتب به في سجلّاتك . فاعلم ذلك ، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ، ولا تتجاوز ! وفّقك اللّه لرضاه ورضانا ، وأيّدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء اللّه تعالى . وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وسلّم تسليما » . فقرأه القاضي على سائر الشهود ، وأمر أن يكتب في سجلّاته « قاضي القضاة » وكوتب بذلك وكتب عنه . فلم يزل على ذلك إلى أن صرفه الحاكم بأمر اللّه في يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة ، وهو جالس في داره يتصرّف في الأحكام على حين غفلة ، فلم يشعر إلّا وقد قيل له : ولي عبد العزيز بن محمد بن النعمان ، وقد حضر الجامع مخلوعا عليه . فقال : يا قوم ، هذا واللّه محال ، لا حقيقة له ، ولعلّه قلّد غير القضاء . وبعث رسله فسمعوا ما في سجلّه حتى أخبروه

--> - وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ، ولا هم عنها يدفعون . « يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون ، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون . يؤذّن بحيّ على خير العمل المؤذّنون ، ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون . « لا يسبّ أحد من السلف ، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف ، والخالف فيهم بما خلف . « لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده ، وإلى اللّه ربّه ميعاده ، عنده كتابه ، وعليه حسابه . « ليكن ، عباد اللّه ، على مثل هذا عملكم منذ اليوم ، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده ، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده من جميع ما نصّه أمير المؤمنين في سجلّه هذا . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ المائدة : 105 ] . والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » . « وكتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة » تاريخ ابن خلدون ، 4 / 60 . وقد نقل الداعي إدريس أيضا هذا السجلّ في صورة مقتضبة ( عيون الأخبار ، السبع السادس ، نشر مصطفى غالب ، 293 ) . وهذا المنشور لا يبرّئ الحاكم من التعصّب الحزبيّ ولا من التصرّفات القاسية ، ولكنّه يدعو الدارس المحايد النزيه إلى التلطّف في قبول الأحكام أو إصدارها . ( 1 ) هكذا بالمدّ .