المقريزي
34
المقفى الكبير
يدخلوا إلى الأزقّة ، فثار بهم الناس وقتلوا كثيرا من الرجّالة ، فاشتدّ جعفر على المشايخ ووعدهم بكلّ مكروه ، وقال لهم : دخل رجال أمير المؤمنين إلى الصلاة فقتلتموهم ! لأسوّينّ بهذا البلد الأرض ! فلطفوا به وداروه ، فقال : أريد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين . فأذعنوا لذلك ، وكان الذي يتولّى خطابه الشريف أبو القاسم أحمد بن الحسين العقيقي ، و [ . . . ] بن أبي هاشم . ودخلوا البلد وقسّطوا المال على الناس . وشرع العسكر في البناء فوق نهر يزيد عند الدكّة وعملوا مساكن وأسواقا حتى صارت تشبه المدينة ، وبنوا قصرا عظيما شاهقا في الهواء « 1 » ، غريب البنيان . فلمّا استقرّ في الدكّة طلب حمّال السلاح وضرب أعناق كثير منهم وصلب جثثهم وعلّق رؤوسهم على أبواب المدينة ، منها رأس إسحاق بن عصودا . وبعث بأزرق إلى حمص وسلميّة ، فخرج إليه أهل سلمية بكتاب عبيد اللّه المهديّ جدّ المعزّ لدين اللّه بترك الخراج لهم متى ملكهم . فبعث بذلك إلى جعفر فأمره بالوفاء لهم . وقدم ابن عليان العدويّ وقد قبض على [ . . . ] « 2 » بن أبي يعلى العباسيّ لمّا انهزم من نحو تدمر ، وهو يريد بغداد ، فأمر به جعفر فشهّر في العسكر على جمل ثمّ حمله إلى القاهرة . وأمّا محمّد بن عصودا فإنّه لمّا انهزم سار إلى الأحساء هو وظالم بن مرهوب العقيليّ ، وحثّا القرامطة على المسير إلى الشام ، فوافق ذلك منهم الغرض لأنّ الإخشيديّة كانت تحمل في كلّ سنة إلى القرامطة مالا ، فلمّا أخذ جوهر مصر انقطع المال عن القرامطة ، فأخذوا في الجهاز للمسير إلى الشام . وجهّز جعفر غلامه فتوحا في عسكر إلى أنطاكية ، وكانت بيد الروم ، فسار في صفر سنة ستّين وطلب أهل أعمال فلسطين وطبريّة ، وسيّر [ 385 أ ] عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية فنازلوها ، وكان الوقت شتاء ، إلى أن دخل الصيف ، وهم يداومون القتال . وبعث سريّة فيها أربعة آلاف إلى إسكندرونة وعليهم عرائس ، ومعهم ابن الزيّات « 3 » أمير طرسوس ، وكان عليها عسكر للروم . فظفروا في طريقهم بمائتي بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فتقوّوا بها ، وساروا إلى مرج إسكندرونة وفيه مضارب الروم الديباج ، فتسرّع إليها رجالة تنهبها ، فحمل عليهم الروم فانهزموا وأخذهم السيف ، ونجا عرائس وابن الزيّات في طائفة ولحقوا بجعفر ، وهلك كثير ممّن كان في السريّة . فكثرت الأخبار بمسير القرامطة إلى الشام ، وأنّهم نزلوا على الكوفة ، وكتبوا إلى الخليفة ببغداد فأنفذ إليهم خزانة سلاح ، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب عبد اللّه ابن ناصر الدولة ابن حمدان ، من مال الرحبة « 4 » ، وأنّهم ساروا من الكوفة إلى الرحبة وأخذوا من ابن حمدان المبلغ . فكتب جعفر إلى غلامه فتوح وهو على أنطاكية يأمره بالرحيل . فوافاه الكتاب مستهلّ شهر رمضان [ سنة 360 ] ، فشرع في شدّ أحماله ، ونظر الناس إليه فجفلوا ورموا خيمهم وأراقوا طعامهم . وأخذوا في السير مجدّين إلى دمشق ، فلمّا وافوا جعفرا أراد أن يقاتل بهم القرامطة ، فلم يقفوا وطلب كلّ قوم موضعهم ، ولم يبالوا بالموكّلين
--> ( 1 ) هذا قصر آخر غير الذي بناه بطبريّة على جسر الصنّبرة . ( 2 ) بياض مكان الاسم ، وهو إسماعيل ، أبو القاسم . ( 3 ) أبو بكر ابن الزيّات في تاريخ ابن القلانسيّ 12 ، ولا نعرف عرائس . ( 4 ) أبو تغلب [ الغضنفر ] بن حمدان كان أميرا على الجزيرة ، والرحبة هي رحبة مالك بن طوق على الفرات تحت قرقيسيا ، بين الرقّة وبغداد [ ياقوت ] . وانظر : ماريوس كانار : تاريخ الحمدانيّين ص 96 وهامش 45 .