المقريزي

284

المقفى الكبير

خطبة المستنصر من حلب في شوّال سنة اثنتين وستّين ودعا للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسيّ وللسلطان ألب أرسلان . وسار ألب أرسلان إلى الشام وقطع الفرات في ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين ، ونزل على حلب . ثمّ عاد لما دهمه من خبر ملك الروم ، وترك عدّة من الترك ملكوا بلاد الشام ، فخرجت [ 488 أ ] عن أيدي المصريّين من حينئذ . وندب المستنصر عسكرا لقتال ابن حمدان عندما بلغه مكاتبة أهل العراق . فتقدّم أحد مقدّمي العسكر ، وكانوا ثلاث فرق ، وواقع ابن حمدان ، فقتل من أصحابه عدّة وأسر . وقدم العسكر الثاني ولم يعلم بما جرى على الأوّل ، فمرّ عليه مثل ما جرى على من تقدّمه ، وقدم الثالث فصار إلى ما صار إليه العسكران من القتل والأسر . وقوي ابن حمدان بما غنمه من هذه العساكر ، ومنع الميرة عن القاهرة ونهب أكثر الوجه البحريّ « 1 » وأبطل الخطبة للمستنصر من الإسكندريّة ودمياط وسائر الوجه البحريّ ، وخطب للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسيّ . فاشتدّ الأمر وعظم الخطب بالقاهرة ومصر لكثرة الجوع والموت في الناس ، وألجأت ضرورة الحال الأتراك إلى مصالحة ابن حمدان لعظم ما حلّ بالناس من البلاء والشدّة . وتقرّر الحال على أنّه يقيم بمكانه من البحيرة ويحمل إليه مال مقرّر ، ويكون تاج الملوك شادي نائبا عنه . فرضي بذلك ، وسيّر الغلال إلى القاهرة فتنفّس خناق الناس قليلا . ثمّ انتقض ما تقرّر بعد أشهر ، واختلف الأتراك على ابن حمدان ومنعوه المال . فسار من البحيرة في عساكر كثيرة ونزل على الجيزة ، واستدعى تاج الملوك . فخرج إليه ومعه عدّة من المقدّمين فقبض عليهم وعدّى حتّى وافى مدينة مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وستّين [ وأربعمائة ] ونهبها أصحابه وحرقوا دور الساحل . فبعث إليه المستنصر عسكرا كبيرا حاربوه وهزموه ، فعاد إلى البحيرة . وسار في سنة أربع وستّين إلى مصر وقد اضمحلّ أمر المستنصر وبطل ذكره وعظمت الشدّة في الناس . فقدم في شعبان وحكم في مصر وبعث يستدعي المال من المستنصر ، فوجده الرسول على حصير ، وقد زالت أبّهة الملك . فرقّ له وقرّر باسمه راتبا في كلّ شهر مائة دينار وبالغ في إهانته مبالغة عظيمة وقبض على أمّه وعاقبها وأخذ أموالها . وفرّق أهل الدولة عن المستنصر واجتهد في إقامة الدعوة العبّاسيّة بالقاهرة ومصر ، فلم يتمكّن من ذلك لكثرة أتباع المستنصر . وفطن له الدكز ويلدكوش ، وهما من أكبر الأمراء ، واجتمعوا بالأتراك وخوّفوهم عاقبة استبداد ابن حمدان وقطعه الدعوة العلويّة . فانقادوا إليهما وتواعدوا على قتله . وكان الدكز قد زوّج ابنته من ابن حمدان هذا وتحالفا وأمن كلّ منهما إلى الآخر . فركب ابن حمدان يوما ليرتّب العساكر ، فركب الدكز في خمسين فارسا ، ورتّب مع غلامه حسام الدولة كمشتكين قتل ابن حمدان ، وذكّره بما هو عليه من سفك الدماء ، وما وقع بسببه من الغلاء والجلاء ، فاتّفقا على إراحة المسلمين منه . ثمّ [ 384 ب ] قصداه وهو يتمشّى في داره ، فمشى معه الدكز ، ثمّ تأخّر عنه وضربه في خاصرته ، وضربه كمشتكين فقطع رجليه ، فصاح : فعلتموها ! - ثمّ حزّوا رأسه ، وذلك في ليلة [ . . . ] من رجب سنة خمس وستّين وأربعمائة .

--> ( 1 ) اتّعاظ 2 / 303 .