المقريزي

28

المقفى الكبير

فبينا هم في ذلك بمصر إذ ورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم كبير القرامطة « 1 » إلى الرملة ، وانهزام الحسن بن عبيد اللّه منهم إلى مصر . فشغب الأتراك على الوزير وطالبوه بأرزاقهم فاستتر منهم . ونهبوا داره ودور أصحابه وكتّابه فلم يزل مستترا إلى سلخ ذي الحجّة [ سنة 357 ] ، وقد قدم الحسن بن عبيد اللّه بن طغج ، فخرج إليه ، وهو نازل بالمختار في الجزيرة تجاه مصر . وركب معه في يوم الجمعة ثاني المحرّم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة من المختار إلى الجامع العتيق . فلمّا انقضت الجمعة سار خلف الحسن ، والناس تسبّه وتشتمه ، فخاف عليه الحسن ، وأمره أن يمضي إلى داره ، فسار إليها . ونزل الحسن بدار الإمارة ، وقبض على الوزير يوم الاثنين سادس المحرّم وعذّبه ، وصادره على مال عظيم باع فيه أملاكا كثيرة . وتوسّط أمره الشريف مسلّم فأطلعه إلى داره [ 381 أ ] موكّلا به ، فأقام إلى أن أطلق في آخر صفر . وسار الحسن بن عبيد اللّه إلى الرملة في ثالث ربيع الآخر ومعه شمول وجماعة من القوّاد ، فخلت له البلاد ، إلّا أنّ الأخبار وردت بمسير عساكر المعزّ مع القائد جوهر في جمادى الآخرة ، فأنفذ أهله إلى الأشمونين مع الشريف عيسى بن عبيد اللّه أخي مسلّم ، وجمع الناس وشاورهم فاتّفقوا على مراسلة جوهر . ثمّ اجتمعوا على محاربته ، وأن يولّوا عليهم نحرير شويزان . ثمّ انحلّ ذلك وعادوا إلى المراسلة بالصلح ، وكانت رسل القائد جوهر ترد سرّا إليه . فسار الشريف مسلّم والقاضي أبو طاهر في جماعة إلى القائد جوهر في يوم الاثنين ثامن عشر رجب [ سنة 358 ] بتقرير الوزير ، وعادوا في أوّل شعبان بكتاب جوهر إلى جماعة أهل مصر ، وبكتابه إلى الوزير . وخاطبه فيه بالوزارة بعد ما امتنع من ذلك ، وقال للشريف مسلّم : كيف أخاطبه بالوزير ، وما وزر لخليفة قطّ ؟ فما زال الشريف به حتّى خاطبه بالوزارة . فاجتمع الناس عنده لقراءة كتاب جوهر ، وقد نقض الإخشيديّة والكافوريّة حديث الصّلح ، وأقاموا عليهم نحرير شويزان ، وانفضّوا . وخرجوا للقتال في عاشر شعبان فقتل كثير منهم . وعبر جوهر إلى مصر ، ونزل بمناخه حيث القاهرة اليوم في سابع عشر [ شعبان 358 ] ، فخرج إليه فيمن خرج إلى لقائه بالجيزة ، فصاح بعض حجّاب جوهر بالناس : الأرض ! إلّا الشريف والوزير ! فاستمرّ به جوهر على قرارته ، فكان يركب في كلّ يوم إلى القائد جوهر ويلقاه بمناخه فيقبل جوهر منه ما يشير به ويعمل بمقتضاه . وجلس معه في مجلس المظالم كلّ يوم سبت إلى أن ورد عليه كتاب المعزّ في ذي الحجّة [ سنة 358 ] . فبعث ابنه أحمد بن جعفر في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة إلى بلاد المغرب بهديّة إلى المعزّ . فلمّا قدم القرامطة لقتال جوهر ، وكلّ القائد جوهر بالوزير أبي الفضل خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان . ثمّ أمره في رابع صفر سنة إحدى وستّين [ وثلاثمائة ] أن يخرج من داره بمصر ، وأن يقيم بالقاهرة ، فبنى بها دارا سكنها بعده الوزير يعقوب بن كلّس . وردّ إليه جوهر تدبير الأموال في شهر ربيع الآخر إلى أن قدم المعزّ لدين اللّه في سابع شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة ، وردّ الأمور إلى يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن .

--> ( 1 ) الأعصم القرمطيّ : ترجمة 1146 .