المقريزي

29

المقفى الكبير

وتعطّل أبو الفضل إلى أن شكاه ابنه أحمد إلى المعزّ في ربيع الآخر سنة خمس وستّين [ وثلاثمائة ] ، فاستأذن له أبو إبراهيم إسماعيل بن موسى الحسني على المعزّ ، فدخل عليه ، وشكا ابنه وعقوقه [ 381 ب ] فقبل قوله . وعاد فأقام متعطّلا عن العمل إلى أن كانت غرّة شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [ ف ] ردّ الخليفة العزيز باللّه أبو منصور نزار ابن المعزّ تدبير الأمور إليه ، وأمر الكتّاب كلّهم أن يمتثلوا ما يأمرهم به ، فركب جميعهم إليه وصاروا إلى داره . فجلس بها [ و ] أمر ونهى ، وتحدّث في الدواوين إلى نصف شعبان منها فاستعفى من ذلك ، فتقدّم العزيز بإعفائه ومحاسبته فحوسب وألزم بمال من قبل الضياع التي حلّها وعقدها تخطيطه في الارتفاع . ثمّ خرّج عليه خراج ضياعه بالشام وضيّق عليه بسببه ولحقه منه عنت شديد . وأحيل عليه في سنة أربع وثمانين أصحاب منصور الجوذريّ فشدّدوا عليه في المطالبة ومدّوا أيديهم إليه ، ورموه عن مركوبه إلى الأرض ، ففرّ منهم والتجأ إلى دار القائد أبي عبد اللّه الحسين بن البازيار ، وقد انكسر إصبعه ، وطلبوا [ ا ] بنه فوثبوا به . فقام في أمره القائد حتى سكتوا عنه . فلمّا بلغ ذلك العزيز باللّه أنكره . وما زال ملازما داره حتى مات بها في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين « 1 » وثلاثمائة عن اثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيّام ، فجعلت في فيه ثلاث شعرات من شعر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان ابتاعها بمال عظيم ، وكانت عنده في درج ذهب محتزمة الأطراف بالمسك ، فأوصى أن تجعل في فيه بعد موته [ 300 أ ] ، ففعل ذلك . وصلّى عليه القاضي حسين بن [ علي بن ] النعمان في داره ، ودفن بها ، وحضر جنازته سائر قوّاد أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أبي علي منصور ابن العزيز ، وسائر أولياء الدولة وأكابر الناس . قال المسبّحي « 2 » : وكان رحمه اللّه من الفضل والعلم والدين والتصرّف في سائر العلوم بمنزلة لم يشاهد مثلها ، وحدّث وأسمع وأملى عدّة مجالس ، وعمل مستخرجا على صحيحي البخاري ومسلم ، وكان كثير البرّ والصّلات لآل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كثير الصدقة شديد الغيرة على حرمه ، مبالغا في الحجاب لهم ، لما تمّ عليه من أولاده الكبار ، وذلك أنّ فيهم من واقع أخته وأحبلها . فمنع أولاده الذكور من رؤية أمّهاتهم وأخواتهم . حدّثت طرف المغنّية جارية ابنه أبي محمّد قال [ ت ] : كنت في منزلي بجواره بعد وفاة مولاي أبي محمّد أنا وابنتي وعدّة جوار يخدمنني . فلمّا كان نصف الليل إذا بالخدم قد دخلوا عليّ وقالوا : سيّدنا يستدعيك . فلبست ثيابي ونهضت معهم ، فصرفت إليه أنا وابنتي وجوارينا ، فإذا به في مجلس ، فقبّلت يده أنا وابنتي ، فأمر [ نا ] بالجلوس وباسطنا ثمّ قال : يا بنيّة ، تحفظين صوتا [ 382 أ ] كان يغنّي في دارنا ؟ فقلت : إن رأى سيّدنا أن يذكره ، فعل . فقال [ الطويل ] : أهاجك بالبيداء رسم ومنزل * أضرّ به طول البلى فهو محول

--> ( 1 ) في ترجمة الوفيات 1 / 349 : إحدى وتسعين ، وكذلك في تاريخ بغداد رقم 3723 . وإذا كان مولده سنة 308 كما قيل في أوّل الترجمة ، فعمره عند الوفاة 84 سنة . ( 2 ) المسبّحي المؤرخ ( 366 - 420 ) محمد بن عبيد اللّه : ألّف كتابا في تاريخ مصر . انظر ترجمته في المقفّى ( رقم 2632 ) .