المقريزي

269

المقفى الكبير

أن يكتب كذا - حتى أتى على الفصول ، وقال : أصلحوها هكذا . ثمّ قال له : عندما جاءتك رسالتي ، أين كنت ؟ قال : عند أبي يعقوب إسحاق بن نصير ، وكنّا على قسمتها . فقال : امض للقسمة . فعاد وقد بقي من النهار ستّ ساعات ، فجلسوا إلى أن مضى من الليل أربع ساعات ، جاءتهم فيها من أبي زنبور ثماني عشرة تحفة ، واقتسموا المال عن طيب نفس منه . [ فضله على مصر ] وكان أبو زنبور مع إنعامه وإفضاله له رأي سديد وتدبير جيّد ، وقد ضبط أمور مصر أربع مرّات . أوّلها يوم ذبح خمارويه بدمشق ، فعقد البيعة لابنه جيش بن خمارويه وتختّم بخاتم أبي الجيش وسار بالعساكر إلى مصر حتى دخل بها سالمة . والثانية لمّا دخل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر لزوال دولة ابن طولون ، لم يزل يعمل الحيلة ويكتب إلى العراق حتى جاء فاتك وهزم ابن الخليج وأسره . والثالثة في وقعة حبّاسة ، قام بالأمر مع مؤنس وأحسن إلى المستأمنة وأنفق أموالا جمّة . والرابعة في نوبة الجيزة لمّا مات ذكا الأعور أمير مصر ، فإنّه خاف على مصر من قدوم عساكر المغرب ، فكتب إلى ابن المهديّ - وهو بالإسكندريّة - يعده بأن يسلّم إليه مصر ، وكتب إلى دمشق يحثّ تكين على المسير بالعساكر إلى مصر ، وكتب إلى العراق يحثّ مؤنس الخادم على القدوم إلى مصر بالعساكر ويخوّفه استيلاء المغاربة ، فتمّ له ما أراد وتكاملت عنده العساكر بمصر . [ تلطّفه ومداراته ] وثارت به رجّالة مصر مرّة وأخذوه إلى جامع أحمد بن طولون وحبسوه في الغرار « 1 » وأحاطوا به ، فجاءه في الليل هلال بن بدر أمير مصر ليخلّصه من أيديهم . فبعث إلى الرجّالة يقول لهم : إنّما يريد هلال قتلي ويتلف الأموال [ 437 ب ] التي أريد أن أعطيها لكم . - فمشى عليهم ذلك وشتموا هلالا وردّوه ، و [ أ ] ركبوا أبا زنبور في أوّل النهار وحفّوا بركابه وأوصلوه إلى داره ، فوضع العطاء وأعطاهم ، فشكروه وانصرفوا عنه . وكان مع ذلك قويّ القلب واسع الحيلة ، ولمّا قدم مؤنس من العراق إلى مصر استدعى أبو زنبور الحسن الدقّاق ، وقال : إنّ الأستاذ مؤنس قد وافى . ولي بمشتول ستّون ألف إردبّ قمحا ، فإذا وافى فقم له بالوظيفة - يعني الدقيق والخبز - ففعل ذلك مدّة شهر . فلمّا مضى الشهر ، قال له علوان كاتب مؤنس : كم لك حتى ندفعه إليك ؟ فقال : إنّما هو لأبي علي - وأعلمه الخبر . فقال : أحسب الأستاذ لا يرضى أن يكون في ضيافة أبي علي . وأعلم مؤنسا بذلك ، فقال : أنا آكل خبز حسين ؟ لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله . فبلغ ذلك أبا زنبور ، فقام من فوره إلى مؤنس وأكبّ على رجليه يقبّلهما ، واحتشم منه ، وقال : واللّه يا أبا عليّ لا أجيبك إلّا [ ل ] هذا الشهر الذي مضى ، ولا تعاود . فرجع وقال للدقّاق : قم لهم بالوظيفة . فقال : ما بقي عندي قمح .

--> ( 1 ) قراءة ظنّيّة : الغوار أو الفواز ، ولم نعرفها .