المقريزي
270
المقفى الكبير
فصار يكتب له بالقمح ، فلمّا فرغ أتاه الدقّاق بالحساب ، ومعه أربعمائة دينار فضلت من ثمن القمح ، فقال له : اعفني منها . فقام الدقّاق بها ، فلمّا خرج اعترضه عبد اللّه بن أبي زنبور وأخذ الأربعمائة منه لنفسه . [ جوده على العلماء والفقراء ] وقدم عليه مرّة الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن سلمويه الرازيّ بكتاب من مكّة ، وكان ألحى . فقرأ الكتاب وتبسّم ثمّ قال : هذه لحية ما تحتاج إلى كتاب . فقال له أبو بكر : إيش هذا ؟ شيخ وسخيف ؟ فضحك وأمر له بمائتي دينار . وكان يرسل إلى منصور الفقيه في كلّ شهر مائة دينار ، وكانت له جراية على جماعة من أهل العلم والأدب ، وكان يكرمهم ، وحبّس على آل البيت عليهم السلام وعلى أبناء الصحابة رضوان اللّه عليهم أملاكا ثمنها مائة ألف دينار تعقد مالا كثيرا . واعتقله أبو القاسم علي بن أحمد بن بسطام متولّي خراج مصر ومعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن عليّ في سنة سبع وثلاثمائة وطالبهما بحساب ومال . فاتّفق موت أخيه أبي بكر الأعور ، فخرج في جنازته هو وابن أخيه موكّلا بهما بسفارة الأمير ذكّا . فلمّا مشيا في الجنازة ثارت الرعيّة ومرّت معهما حتى انتهت إلى دار أبي زنبور ، فجلس من الرعيّة آلاف على بابه حتى العتمة . فبعث إليهم يشكرهم ، وسألهم الانصراف فانصرفوا . ومضى بابن أخيه إلى ابن بسطام ، فاحتشم وقال : انصرفوا - وشكر مجيئهما إليه . [ علوّ منزلته عند خلفاء بغداد ] ولمّا ولي محمد بن جعفر القرطيّ الخراج ، جاءه أبو زنبور ومعه ابن أخيه أبو بكر ، فقام لهما وتلقّاهما وجثا بين أيديهما ، فقال له أبو زنبور : ربّيتنا وحملتنا وحملت العمل - والقرطيّ يقبّل الأرض استعظاما لما يخاطبه به . ثمّ قال : قد جئنا مع التهنئة في حاجة : أحبّ أن ترسل من ترضاه ليصون ضياعنا ويحميها . فقال : أنا أخرج بنفسي وأخدم فيها ، وهل أنا إلّا عبدكما ؟ ثمّ نهضا ، وكان أبو بكر قد ضاق صدره من ولاية القرطيّ ، فقال له : لا يضيق صدرك ، هذا أمر يزول عن قريب . فاقبل ما أقول لك وقم بنا نهنّئه . فقاما بعد امتناع من أبي بكر . ثمّ إنّ أبا زنبور سار بابن أخيه أبي بكر إلى العراق ، وقدما إلى مصر لصرف القرطيّ ، وكان مع جودة رأيه وقوّة نفسه يمشّي الأمور باللطف والحيلة . وكان تكين أمير مصر يتّقيه ، حتّى إنّه تنازع معه مرّة في مجلس مؤنس . فقال له تكين : الساعة ألكمك [ و ] أطرح أضراسك ! فقال له : تقول لي هذا وفي ملكي ستّة عشر غلاما ، اسم كلّ واحد منهم تكين ؟ - وقام مغضبا . ومدحه البحتريّ « 1 » والمريمي بمدائح كثيرة . وأجاز البحتريّ مرّة على مديحه بألف دينار . ورأى ازدحام الناس على بابه بخيولهم ، فقال : هذا يؤذي السابلة - واشترى دارا تجاه داره وهدمها وجعل موضعها براحا يقف الناس فيه بدوابّهم . وزار بعض وكلائه في مرضة مرضها ، فقال له الوكيل : حاللني ممّا أخذت منك .
--> ( 1 ) لا توجد مدائح مباشرة له في ديوان البحتريّ ، وإنّما يذكر أبو زنبور عرضا في مدائح غيره ( ص 817 ، و 947 ، و 2206 من طبعة الصيرفيّ ) ، والمريميّ إن صحّت القراءة غير معروف .