المقريزي

241

المقفى الكبير

وقال الصفديّ : وكان تلحقه [ حال ] « 1 » تشغله عن حسّه وتذهله عن نفسه حتّى إنّه كان يوضع في يده الجمر ولا يشعر ، فإذا أحرقه عاد إلى حسّه ، وربّما وقع في الحفائر ولا يدري « 2 » . وكان يقرئ الدلالة للرئيس موسى « 3 » ، وأسلم على [ يده ] جماعة من اليهود ، فأغاظهم ذلك فعملوا عليه حتّى سقوه الخمر في حال غيبته وأروه [ ل ] لمسلمين وهو في تلك الحال فما غيّر هذا عقيدة من له فيه عقيدة « 4 » . وقال أبو حيّان « 5 » : رأيته بمكّة وجالسته . وكان يظهر منه الحضور مع من يكلّمه [ ثمّ ] تظهر الغيبة منه . وكان يلبس نوعا من الثياب ممّا لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد . وكان يذكر أنّه يعرف شيئا من علوم الأوائل - وأنشد « 6 » عن أبي الحكم بن هاني عنه قوله [ البسيط ] : خضت الدجنّة حتى لاح لي قبس * وبان بان الحمى من ذلك القبس فقلت للقوم : هذا الربع ربعهم * وقلت للسّمع : لا تخلو من الجرس وقلت للعين : غضّي من محاسنهم * وقلت للنطق : هذا موطن الخرس وقال الشهاب أحمد بن فضل اللّه « 7 » : أنشدني شيخنا أبو الثناء - يعني الشهاب محمود « 8 » - هذه الأبيات . وكان من خبرها أنّ ابن هود حجّ ، فلمّا أتى المدينة وشارف أعلامها ، نزل عن دابّته واغتسل ولبس ثيابا نظافا ، ثمّ جعل يمشي ، وهو يهمهم بكلام خفيّ سمعه بعض من كان يمشي خلفه ، فإذا هو يقول [ الطويل ] : نزلنا عن الأكوار نمشي ، كرامة * لمن حلّ فيه أن نلمّ به ركبا « 9 » ثمّ لم يزل يطأ من رأسه ويخضع حتّى أتى باب المسجد وكأنّه راكع ، فسلّم على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم من ظاهر الحجرة بأكمل الآداب ، ثمّ صلّى ركعتي التحيّة بالروضة ، ثمّ خرج إلى الزيارة فجلس على الرمل ، ثمّ جعل يبكي ويخطّ على الرمل الأبيات . فقرأها بعض الحاضرين فحفظها وأنشدها عنه - يعني قوله : خضت الدجنّة . . . إلى آخرها . ( قال ) : وأتى لاجين نائب الشام وحسام الدين الرازي ابن هود ، وهو لا يعرفهما . وكان مع لاجين سجّادة ففرشها تحت ابن هود بيده ، وساعده الرازي . فقال له بعض من عنده : يا سيّدي ، هذا نائب السلطان ، وبيده [ قد ] فرش لك

--> ( 1 ) زيادة من المسالك . ( 2 ) عبارة الوافي : « وكان يحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولا وغيبة » . وهي أعمال تدلّ على عداوة له من الناس . ( 3 ) موسى بن ميمون القرطبيّ الطبيب الفيلسوف اليهوديّ ، انظر ترجمته في الأعلام للزّركليّ 8 / 284 ، توفي سنة 601 . وكتاب الدلالة هو « دلالة الحائرين » الذي عرض فيه فلسفته . ( 4 ) هذه الحادثة جاءت مفصّلة عند الصفدي وابن شاكر . ( 5 ) الأثير ابن حيّان : هو محمد بن يوسف ، أبو حيّان النحويّ الجيّانيّ ( ت 745 ) . انظر الأعلام 7 / 26 . وله ترجمة في المقفّى : رقم 3600 . ( 6 ) أبو حيّان هو الذي نقل شعر المرسيّ عن أبي الحكم . ولا نعرف ابن هاني هذا . ( 7 ) هو ابن فضل اللّه العمري ، أحمد بن يحيى ( ت 749 ) صاحب مسالك الأبصار . انظر الأعلام 1 / 254 ، وله ترجمة في المقفّى رقم 677 ، والنقل من المسالك 8 / 239 . ( 8 ) الشهاب محمود : هو محمود بن سليمان - أو سلمان - بن فهد الحنبلي الحلبيّ ( ت 725 ) الأديب الكاتب . انظر الأعلام 8 / 48 ، وقد سها الناسخ أيضا في اسمه ، فكتب الشهاب ابن محمود . ( 9 ) ركبا : جمع راكب ، أي نزّهنا الحرم عن أن نحلّ به راكبين .