المقريزي
226
المقفى الكبير
وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرّق ، ولا مصدّر « 1 » ، وسعر المعرّق ستّة أطيار بدينار ، والمصدّر أربعة بدينار ، والمسمّن ثلاثة بدينار ، والفائق اثنان بدينار ، فيعمل المسمّن لداره ومن فيها ، وأمّا مائدته فلا يقدّم عليها إلّا الفائق . فاتّفق حدوث الغلاء في سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وصار الخبز طرفة من الطّرف لقلّته وغلاء السعر من قصور « 2 » النيل ، والمستنصر يحضر دار الوزير في كلّ يوم ثلاثاء على عادته ، وتقدّم إليه المائدة ، فيراعي حالها فيجدها على ما يعهد ، لم يختلّ منها شيء ، حتّى الدجاج الفائق . فقال لصاحب مطبخه : ويلك ! يكون راتب مائدة الوزير الدجاج [ 366 ب ] الفائق ، ومائدتي دون ذلك ؟ فقال : يا مولانا ، ما ذنبي إذا قصّر بك أصحاب دواوينك ومطابخك ولم [ يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم ؟ والوزير ، فلا يتجاسر وكلاؤه أن ] « 3 » يقصّروا في شيء ممّا جرت به العادة في راتب مائدته وغيرها ، مع تقدّمه إليهم في كلّ يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره . وكان الوزير أيضا إذا أعطى هنّأ ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر عنه الآمال والأماني ، مع عظيم الصدقة وجزيل البرّ الذي عمّ به أهل البيوتات بما أقامه لهم من المشاهرات على مقاديرهم ، والأشراف سكّان المنامة « 4 » ، والفقراء وأهل الستر بالقرافة بما يواصلهم به من البرّ والكسي ، ويجري ذلك على يد ابن عصفور أحد الشهود بمصر ووكيل السيّدة الوالدة . فكانوا يظنّون أنّ ذلك من إنعامها وبرّها أو من إنعام المستنصر . فلمّا قتل الوزير انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من برّه ، فاستنصروا بذلك [ الوكيل ] وواصلوا الخطاب فيه وقالوا : قد جفينا من مولانا ومولاتنا وانقطع برّهما عنّا ، فلو أذكرتهما بنا ؟ - وأكثروا من ذلك على ابن عصفور . فقال لهم : الذي كنتم ترون ما كان ليجيئكم حتى يبعث اللّه ناصر دين آخر ! فحينئذ يأتيكم منه ما كان يصلكم به . فقالوا : نحن التمسنا من مولانا ومولاتنا ، ولم نلتمس من ناصر الدين ؟ فقال : ما كان يجيئكم ذلك إلّا من الوزير ، فإن بعثه اللّه لكم فعساه يبرّكم بما كان يبرّكم به . فعجبوا من ذلك وأكثروا من الترحّم عليه . ولمّا تظافر الغلامان « 5 » على الوزير حتّى تمّ من القبض عليه ما تمّ ، لم يشعر مستهلّ المحرّم سنة خمسين وأربعمائة إلّا وقد قبض عليه . فكتب رقعة إلى أبي الفرج البابليّ ، لموضع تقدمته له ، وبما أحسن به إليه وأنعم عليه ، وأنّه هو الذي رفعه على جميع أصحاب الدواوين ، واستخلصه دونهم . وظنّ أنّه يجازيه على ما صنع إليه ، ويفي به . فخاب ظنّه ، ونصّ الرقعة بعد البسملة : عرفنا يا أبا الفرج ، أطال اللّه بقاءك وأدام عزّك ، تغيّر الرأي فينا ، وسوء النيّة والطويّة . فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك ، فاحفظ الصّحبة وارع واجب الحرمة . وإن يكن صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض . على أنّا نشير عليك إذا دعيت إليه ألّا تتأبّى عنه ، فإنّه أصلح لك وأعود علينا ، والسلام .
--> ( 1 ) المعرّق : المهزول ، والمصدّر : لعلّه غليظ الصدر يابسه . ( 2 ) أي : نقصان فيضانه . ( 3 ) زيادة من الاتّعاظ 2 / 240 . ( 4 ) المنامة : ذكرها ابن دقماق 1 / 35 بين الأماكن المذكورة بمدينة مصر قرب غافق . ( 5 ) قد مرّ ذكرهما : فرج المغراويّ وتنا الفرّاش .