المقريزي

227

المقفى الكبير

[ تنكّر البابلي له بعد إحسانه إليه ] فدعي البابليّ واستقرّ في الوزارة بعد اليازوريّ ، فتجرّد لمقابلة إحسان مصطنعه بكلّ قبيح ، وذكره في مجالسه بما لا يستحقّه منه . وكانت هذه الرقعة أعظم ذنوبه عنده ، فكان يقول : يخاطبني وهو على شفير القبر بنون العظمة ! - ولا يذكره إلّا بالسفيلة والسقائط « 1 » . ولم يقنعه كونه في الاعتقال بمصر حتّى نفاه إلى تنيس في صفر ، هو وأولاده ونساؤه وحاشيته ، فاعتقلوا بها . وشرع في التدبير على قتله خوفا من الرضى عنه . فحدّث عظيم الدولة متولّي السّتر قال : كنت في جملة الصقالبة الموكّلين على الناصر [ اليازوريّ ] ثمّ على البابليّ بعده . فكنت أرى من رئاسة الناصر - على شبيبته - ورجاحته ، وسكون جأشه ، ومن طيش البابليّ وخفّته ونقصه ، ما أعجب منه . وهو أنّي لمّا كنت موكّلا بالناصر ، كنت أراه ملازما بالعتبة باب المجلس في القاعة لا يتغيّر مكانه . وكان البابليّ يتعلّى عليه ويراسله بما يمضّ « 2 » ويوصينا إذا مضينا إلى [ اليازوريّ ] بالجلب على فتح الباب والإكثار من قلقلته عند الفتح ، لنرعبه بذلك ، فو اللّه ما يكترث إليه ولا ينزعج . وإذا دخل إليه تذكار متولّي الستر يكون جلوسه منه في الاعتقال كجلوسه منه في وقت وزارته ، ويخاطبه بما يرضى به فيجيبه عنه بسكون وهدوء كأنّه في الدست جالسا . فأذكر ، وقد دخل إليه يوما فجلس ونحن وقوف بين أيديهما أكثر من ثلاثين صقلبيّا ، فأدّى إليه ما أوصاه البابليّ به ، وأجابه عنه . فنهض ولبس نعله وقال له : يا سيّدي ، صرفتني عن الستر بغير ذنب ثمّ أعدتني إليه بغير مسألة . فما كان مغناك « 3 » في ذلك ؟ فرفع طرفه إليه كأنّه واللّه يخاطبه من دست الوزارة ، وقال له : كان صرفك في الأوّل برأيي واختياري . ثمّ أعدتك كذلك برأيي لما عرفته من ميل مولانا إلى استخدامك . فخرج تذكار وهو يقول : انظروا إلى هذا الرجل في سكون جأشه وقلّة احتفاله في الجواب [ 367 أ ] مع حاجته إليّ في مثل هذا الوقت الذي تحقّق قدرتي على الإحسان إليه فيه وعلى الإساءة . فو اللّه ما خاطبته إلّا وأنا أظنّ أنّه سيجيء بما يمهّد عندي عذره فيه ، فلم يكن منه غير ما سمعتموه . وو اللّه ما أجد سبيلا إلى مقابلته بغير الجميل ، لما كنت أشاهد من أفعاله وجميل سيرته . وكان أكثر وقته صائما ، ولا يكاد يفطر إلّا أقلّه . ذاك ، وهو كثير التلاوة ، ولا يسأل عن شيء من طعام ولا شراب . وكنت من حاله عجبا . كان في حال وزارته كثير الصّمت ، مواصل الإطراق ، شديد سكون النفس ، هادئ الطبائع . فكنّا نحمل ذلك منه على التيه والصّلف والإعجاب وقلّة احتفاله بالناس . فلمّا صار في حالة القبض والخوف كانت حاله على مثل ما كنّا نشاهده منه ونتّهمه فيه . [ مكيدة البابلي لقتل اليازوريّ ] وأخذ البابليّ كلّما حضر بين يدي المستنصر يكثر التثريب على اليازوريّ ، إلى أن كان اليوم الذي شغبت عليه الأتراك ووطئوا درّاعته ، فإنّه لمّا دخل على المستنصر قال : يا أمير المؤمنين ، إنّه لا ينفذ لك أمر ، ولا يتمّ لي نظر ، وهذا الكليب في قيد الحياة . فقال : ومن هو هذا الكليب ؟

--> ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 240 : بالسفاهة واللغو ، وقراءتنا ظنّيّة . ( 2 ) في الاتّعاظ 2 / 246 : لما يمضي . ( 3 ) في الاتّعاظ 2 / 246 : فما كان سبب ذلك ؟