المقريزي
219
المقفى الكبير
الإسلاميّة . فامتنع من ذلك وقال : إذا أسلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من حصون الروم ، سلّم ما في أيديهم من حصون المسلمين . فثقّل اليازوريّ الجيش بجيش آخر وقدّم عليه الأمير السعيد ليث الدولة ففتحت اللاذقيّة . وأجيب ابن سقلاروس بأنّه لا يصحّ أن يسلّم إليه ما صار في أيدي المسلمين من الحصون لأنّهم قد ابتنوا فيها العمارات وأنشئوا البساتين ، فلا يصحّ تسليمها إليهم ، فإنّه يصير المسلمون [ بها أهل ] ذمّة « 1 » . فأجاب بأنّه يدفع إليهم ثمن أملاكهم وينقلهم إلى بلاد المسلمين ، ثمّ أجابوا إلى تسليم ما في أيديهم من الحصون الإسلاميّة . وكانت العادة جارية بأنّه إذا وصلت هديّة الرومأن تقوّم في بيت المال ، وتحمل إليهم هديّة قيمتها نحو الثّلثين من هديّتهم ليصير للإسلام مزيّة عليهم بالثلث . فاشترط الوزير على ابن سقلاروس أن تكون قيمة ما يحمل إليهم من الهديّة عوضا عن قيمة هديّتهم النصف من ذلك ، فأجابوا إليه . [ انقطاع المفاوضة مع الروم بنكبة اليازوريّ ] فاشترط الوزير أن يؤدّي إليه جزية كلّ من تضمّه دار البلاط ، التي هي دار الملك ومحلّ الملك ومكانه . فامتنع من ذلك ، فثقّل الجيش بجيش ثالث « 2 » ، فأوغلوا في بلاد الروم يقتلون ويأسرون وينهبون ، فاشتدّت بليّة الروم ، وبعث ابن سقلاروس مكاتباته بالإذعان إلى القيام بالجزية عن دار البلاط ، وشرع في تجهيزها فبلغت نيّفا وثلاثين ألف دينار ، وحمل ذلك إلى أنطاكية . فبلغه صرف الوزير اليازوريّ ، فأعيدت [ 364 أ ] إلى القسطنطينيّة ، وزيّنت بلاد الروم لموته وكثر فرحهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه . [ دعمه لثورة البساسيريّ ببغداد ] واتّفق أنّه كان بالعراق رجل يعرف بأبي الحارث البساسيريّ « 3 » صار اسباسلار كبير القدر يبلغ إقطاعه نحو ثلاثين ألف دينار ، فوقع بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة وزير القائم بأمر اللّه العبّاسيّ في سنة سبع وأربعين وأربعمائة وعانده إلى أن أخرجه من بغداد ، فقصد ديار بكر ، وكاتب المستنصر ، وهو بأعمال حلب يرغب في الخدمة ويعرض نفسه ويستأذن في الوصول إلى الحضرة ، وأنّه في ثلاثمائة غلام ، فأخذ الوزير الكتاب وقبله أحسن قبول ، واستشار أهل الدولة في الإذن له ، وكلّهم أشار بذلك وأنّ في قدومه ما يوجب مجيء غيره طمعا فيما ناله من الكرامة ، وفيه زيادة في عدد رجال الدولة . فلم يوافق على مجيئه وقال : هذا الرجل قد كان إقطاعه بالعراق ما يزيد على ثلاثين ألف دينار ، ومعه أولاد مولاه الملك أبي طاهر ابن كاليجار وغيرهم من أولاد الملوك ، وأجلّهم إقطاعه ألف ومائتا دينار ، فإن اقتصر به على مثل ما لهم من الواجب لم يرض ، وإن زيد عليه كان قبيحا . وأيضا فإنّا لا نطيق من عندنا اليوم من الأتراك ، فكيف إذا انضاف إليهم مثل هذه العدّة ؟ والصواب أن يبقى بحيث هو ، ونحسن إليه ونقيمه لمناصبة أعداء الدولة . فإن نهض بذلك كان النفع للدولة والاسم لها ، وإن قصر عنه كان ذلك برأسه .
--> ( 1 ) في المخطوط : لهم ذمّة . ( 2 ) سيقول المقريزي ، ص 239 : وعليه الأمير حفّاظ بن فاتك موفّق الدولة . ( 3 ) في تاريخ بغداد 9 / 799 اسمه : أرسلان التركيّ . وفي خصوص البساسيري انظر : دائرة المعارف الإسلاميّة 1 / 1105 ، والكامل سنوات 445 - 451 والإشارة ، 69 وابن القلانسيّ 81 .