المقريزي

220

المقفى الكبير

[ تلطّفه في صرف خطر السلاجقة عن الشام ومصر ] واتّفق وصول طغرلبك السلجوقي من خراسان بالغزّ إلى بغداد في هذه السنة ، وللوزير بها أعين . فكتبوا إليه بوصوله وأنّه مزمع على المسير من بغداد إلى بلاد الشام ليملكه كما ملك بغداد . فقلق من ذلك لعظم أمر طغرلبك ، وأنّه دوّخ الممالك وقتل الملوك واحتوى عليها وانتشر صيته وكبر في نفوس الملوك شأنه ولم يبق له معاند يخافه . فرأى أنّ الحيلة أبلغ من الاستعداد له في دفعه عن البلاد ، لكثرة ما معه من العساكر ، وكتب إليه يهنّئه بقدومه إلى العراق ويبذل له من الخدمة ما يوفي على أمله ، وأنّ أرض مصر كلّها بحكمه « 1 » ، وأنّه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها ، فإنّه يعلم كثرة الاختلاف ممّن يجاورها في نسبها واتّفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضى بالخليفة الصحيح النسب الصريح الحسب الهاشميّ العبّاسيّ ، وأنّه لا يمتنع من الإقرار له بذلك - وأعطاه صفقة يده على مبايعته وتسليم الدولة إليه ، وأنّه قد اتّصل به إزماع حضرته على التوجّه إلى الشام ، وأنّه أشفق من تسليمها إليه أن تطأها عساكره مع كثرتها وتجمّعها فتخربها وتعفي آثارها . [ فإن رأى إعفاءها ] من وطء العساكر لها ووصول ركابها إليها على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحسنها ، فلها عالي رأيها . فلمّا وقف طغرلبك على كتاب اليازوريّ قال : هذا كتاب رجل عاقل « 2 » ، يجب أن يعتمد ما أشار به - وأذن للعساكر في العود إلى بلادها . فمضى كلّ عسكر إلى وطنه ، وقوّض خيامه وضربها على الجانب الغربيّ يريد الشام . فكتب عيون الوزير إليه بذلك ، فقلق شديدا وكتب إلى طغرلبك : لا تغرّنّك الأماني والخدع بأن أسلّم إليك أعمال الدولة وأخون أمانتي لمن غذّاني فضله وغمرني إحسانه وتتعيّن عليّ طاعته وموالاته . فإن كنت تسلّم إليّ ما في يدك لصاحبك من بلاد العراق وأعمالها ، سلّمت إليك ما في يدي لصاحبي . [ و ] الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة لابن بنت النبيّ ، الذي هو أولى بمكانه من غيره . وإن رغبت إلى ما في الموادعة والمهادنة انتظمت الحال بين الدولتين وأمن الناس بينهما . فإن أبيت إلّا الخلاف ونزع بك الهوى إلى الظنون الفاسدة والأطماع الكاذبة ، فليس لك عندي إلّا السيف ، فإن شئت فأقم ، وإن شئت فسر ! فغاظ ذلك طغرلبك وقال : خدعني هذا الفلّاح وسخر منّي - وكتب إلى إبراهيم ينال أخيه : ردّ إليّ العسكر مسرعا ! - فأنفذ إبراهيم ليردّهم فلم يرجع أحد منهم وقالوا : فينا من بينه وبين وطنه شهران وثلاثة وخمسة ، وقد سرنا معه حتّى وطئ الأعمال وملك البلاد وفتح المدن واحتوى عليها وفاز [ 364 ب ] بما فيها ، ولم نحصل منه إلّا على التعب والنصب والخيبة . وإذا كنّا لم نصب في طول سفرنا خيرا فما عسى أن نؤمّله إذا عدنا ؟ - ومضوا . هذا وقد بثّ اليازوريّ عيونه وجواسيسه في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم وألطفهم وأكثر أمانيهم ومواعيدهم ، وتوصّل إلى زوجة طغرلبك ، وإلى أبي نصر منصور الكندي وزيره ، وإلى إبراهيم ينال أخيه وصاحب جيشه ، فمالوا إليه وتقاعسوا عن طغرلبك . وما كفاه ذلك حتّى حمل الخاتون زوج طغرلبك على قتله ، فقالت : أمّا بيدي فلا ، ولكنّي أتحيّز عنه بغلماني ، وهم حميّة عسكره - وكانت عدّتهم نحو اثني عشر ألفا -

--> ( 1 ) انظر هذه المراسلة في الفخري 292 . ( 2 ) الرواية متشابهة في المخطوط وفي الاتّعاظ 2 / 236 .