المقريزي

218

المقفى الكبير

فإذا استقرّت مبايعتهم حضروا مع المعاملين إلى الديوان وقاموا عنهم للجهبذ بما كتب عليهم ، ويثبت ذلك في روزنامج الجهبذ « 1 » مع مبلغ الغلّة . فإذا أدركت غلّاتهم وصارت في الجرون « 2 » اكتالها التجّار وحملوها إلى مخازنهم يريدون فيها السعر الغال [ ي ] ، فمنع الوزير من ذلك في هذه السنة ، وكتب إلى العمّال بسائر النواحي أن يستعرضوا روزنامجات [ 363 ب ] الجهابذة ويحصروا منها ما قام به التجّار عن ال [ م ] عاملين ومبلغ الغلّة الذي وقع الابتياع عليه وأن يقوّموا للتجّار [ ما ] وزنوه للديوان ويربحوهم في كلّ دينار ثمن دينار ، تطييبا لقلوبهم ، وأن يضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا بمبلغ ما يحصل تحت أيديهم فيها . فلمّا تحرّر ذلك جهّز المراكب لحمل الغلّات من النواحي ، وأودعها في المخازن السلطانيّة بمدينة مصر ، وقرّر ثمن التّليس ثلاثة دنانير بعد ما كان بثمانية دنانير . وسلّم إلى الخبّازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق ، ووظّف ما تحتاج إليه مصر والقاهرة ، فكان ألف تلّيس دوّار كلّ يوم : مصر ، سبعمائة . والقاهرة ثلاثمائة . فاستمرّ هذا التدبير مدّة عشرين شهرا حتّى أدركت غلّة السنة الثانية ، فتوسّع الناس بها وزال عنهم الغلاء ، وما كادوا يتألّمون لحسن هذا التدبير . [ إعجاب الإمبراطور البيزنطيّ بحال الخلافة ] وبلغ ميخائيل متملّك الروم « 3 » ما بمصر من الغلاء المذكور ، فرأى لكثرة محبّته في الدولة أن يحمل إلى القاهرة مائة ألف قفيز من الغلّة ، وقدم كتابه وعيّن الغلّة والكيل الذي تستوفى به عند وصولها ، وسيّرها إلى أنطاكية ، وأعدّ هديّة الهدنة على العادة وهديّة من ماله ، فضعّف هديّة الهدنة . فلمّا رأى الروم ذلك منه نفرت قلوبهم وظنّوا به الميل إلى الإسلام وقتلوه وأقاموا بعده رجلا يعرف بابن سقلاروس « 4 » من أهل أنطاكية ، وكان عسيرا لجوجا خبيث الطباع ، فقبض على الهديّتين ، وقال : أنا أنفق ثمنهما على قتال المسلمين . وكان للوزير عيون بالقسطنطينيّة فكتبوا إليه بذلك ، فسيّر مكين الدولة ابن ملهم إلى اللاذقيّة في عسكر ، فسار إليها وحاصرها . ونودي في بلاد الشام بالغزو إلى بلاد الروم . فلمّا اشتدّ الأمر على أهل اللاذقيّة بعثوا إلى ابن سقلاروس بما هم فيه . فكتب إلى المستنصر يستوضح ما الذي أوجب ذلك ؟ - فكتب إليه بأنّ الذي فعله في نقض ما استقرّ مع من تقدّمه من الهدنة وقبضه الهديّة أوجب ذلك . فأجاب بأنّه يحمل الهديّة ، فاشترط عليه إطلاق كلّ من في بلاده من الأسرى . فأجاب بأنّه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم ، أطلق من عنده من المسلمين . فأجيب بأنّه لا يصحّ التماسه لذلك : فإنّ من أسر من بلاد الروم تفرّقوا في الممالك بالعراق والدولة الفاطميّة والمغرب واليمن وغير ذلك ، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك حتّى يرتجع منها من صار في أيدي أهلها . وبلاد الروم بخلاف ذلك ، ومن حصل فيها من المسلمين كان كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلّا بإرادتهم ، وبين الحالين فرق كبير . فأجاب بأنّه يطلق من في بلاد [ ه ] من أسرى المسلمين . فاشترط عليه مع ذلك النزول عمّا صار في أيدي الروم من الحصون

--> ( 1 ) الجهبذ : متولّي استخلاص المكوس . والروزنامة والروزنامجة هنا : الدفتر ، وهي أيضا برنامج استخلاص أموال الدولة السنويّ . ( 2 ) الجرن ج جرون وأجران : مخزن القموح . ( 3 ) هو ميخائيل الخامس ( 1041 - 1042 ) . ( 4 ) ميخائيل السادس « ستراتيكوس » ( 1056 - 57 / 447 - 448 ) .