المقريزي
217
المقفى الكبير
المحتسب وأنكر عليه ، فقال : العادة جارية باستخدام عرفاء في الأسواق على أرباب الصنائع ، وتقبّل قولهم فيما يذكرونه ، وقد حضر عريف الخبّازين بالسوق الفلانيّ واستدعى عونين من الحسبة ، فوقع الظنّ أنّه أنكر شيئا يوجب فعل ذلك ، فاستدعى القاضي الخبّاز وأمره ، فقصّ على المحتسب خبره ، فقال القاضي للمحتسب : رجل يرخص على الناس أقواتهم فيجازى على ذلك بما يؤذيه - ثمّ سأل الخبّاز كم أخذ منه ، فقال : أخذ منّي العريف خمسة دراهم ، وكلّ ما في يدي مائة درهم . فقال : يصرف هذا العريف عاجلا ، ويغرّم ما أخذه من هذا المسكين ويعاد إليه . والتفت إلى صاحب دواته فقال له : انظر ما معك فادفعه إلى هذا الخبّاز . [ حسن تدبيره في أزمة الغلاء ] فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيّا ، فكاد عقل الخبّاز يذهب من شدّة فرحه . وعاد إلى دكّانه فإذا عجنته الثانية قد خبزت فنادى عليها : خمسة أرطال بدرهم ! - فمال الناس إليه واشتروا خبزه لرخصه . فخاف من هناك من الخبّازين تلاف أخبازهم ، فإنّها بردت ، وباعوا مثل بيعه . فنادى : ستّة أرطال بدراهم ! - فقادتهم الضرورة إلى بيع أخبازهم كذلك . وصار يريد مكايدة العريف بإرخاص السعر ويزيد رطلا رطلا ، والخبّازون يتبعونه في بيعه خوفا على بوار أخبازهم ، إلى أن بلغ النداء : عشرة أرطال بدرهم ، وانتشر ذلك في سائر البلد ، وتسامع به الناس فتسارعوا إليه ، حتّى إنّه لم يخرج قاضي القضاة من الجامع إلّا والخبز في جميع البلد عشرة أرطال بدرهم . وكانت العادة أنّه يشتري للديوان السلطانيّ في كلّ سنة غلّة بمائة ألف دينار وتجعل متجرا ، فلمّا عاد قاضي القضاة إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة المستنصر ، وعرّفه ما منّ اللّه تعالى به في هذا اليوم من إرخاص السعر ، وتوفّر الناس على الدعاء لأمير المؤمنين ، وأنّ اللّه - جلّت قدرته - فعل ذلك ، وحلّ إسعاد الناس ، بحسن نيّة أمير المؤمنين في رعيّته بغير موجب ولا فاعل له ، بل بلطف اللّه تعالى واتّفاق قريب يسير . وقصّ عليه الخبر ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ المتجر الذي يقام بالغلّة في [ ه ] أوفى مضرّة على المسلمين ، وربّما انحطّ السعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها ، حتى تتغيّر في المخازن وتتلف . والمصلحة أن نقيم متجرا لا كلفة على الناس فيه ويفيد أضعاف فائدة الغلّة ولا يخشى عليه من تغيّر في المخازن ولا انحطاط [ سعر ] : وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك . فأمضى المستنصر له ما رآه ، واستمرّ ذلك ودام الرخاء على الناس مدّة سنين . ثمّ قصر النيل في سنة سبع وأربعين بعد خمس سنين من نظره في الوزارة ، ولم يكن بمخازن السلطان من الغلّة إلّا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير . فورد على الوزير من ذلك ما شغل سرّه وكثر له فكره . ونزع السعر إلى ثمانية دنانير التّليس « 1 » الدوّار ، واشتدّ الأمر على الناس . ففتح اللّه له من التدبير أن نظر في أمر النواحي ، وكانت عادة التجّار أن يقرضوا المعاملين حين إسعارهم « 2 » وضيق الحال عليهم في المقام للديوان بما يجب عليهم من الخراج ، مالا يبتاعون به منهم غلّاتهم عند إدراكها ليصيبوا فيها ربحا .
--> ( 1 ) التّليس : كيل للقمح يساوي 150 رطلا أو ثماني ويبات ، الإشارة 43 هامش 5 ، والاتّعاظ 2 / 74 هامش 2 . ( 2 ) أسعارهم قراءة تخمينيّة ، ولعلّها إعسارهم أو : افتقارهم ، والعبارة في الاتّعاظ 2 / 216 ليست أكثر وضوحا .