المقريزي

195

المقفى الكبير

فسقى اللّه من أحبّ بكفّي * ك وأسقاك أيّ هذا الأمير « 1 » وعندما مات الأستاذ كافور الإخشيدي عقد الأمر بمصر من بعده للأمير أبي الفوارس أحمد بن علي ابن الإخشيد على أن يكون القائم بتدبير أمره الحسن بن عبيد اللّه . وأنفذ إلى الشريف عبد اللّه بن عبيد اللّه أخي مسلّم ، وهو بالرملة يلي تدبير أمر الشام أن يعقد البيعة لأبي الفوارس ، فاختلفا وتحاربا فسار إليه تبر الإخشيدي من مصر وعقد نكاح فاطمة بنت الإخشيد على الحسن بمصر ، وهو بالشام . وقيل : ورد من قبله ودعي له على سائر المنابر بعد أبي الفوارس . فلم يزل بالرملة إلى أن قدم أبو محمد الحسن بن أحمد كبير القرامطة إليها ، فقاتلهم قتالا شديدا حتى انهزم منهم . وسار في ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة إلى مصر ، فتلقّاه تبر إلى الفرما ، وسار منها إلى تنيس ، فعبر إلى مصر ، ونزل بالمختار « 2 » من الجزيرة في سلخ ذي الحجّة ، وخرج إليه ابن الفرات والناس . وركب من المختار يوم الجمعة لليلتين خلتا من المحرّم سنة ثمان وخمسين بالسواد « 3 » في جميع العسكر إلى الجامع العتيق ، فصلّى الجمعة ومعه ابن الفرات ، فدعي له بعد الأمير أبي الفوارس . ونزل بدار الإمارة وكثر له الدعاء وكان يوما مشهودا . فقبض على أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وعذّبه وصادره وقبض على جماعة . وأقام في الوزارة كاتبه الحسن [ 356 أ ] بن جابر الرياحيّ « 4 » ، فأتته رسالة القرامطة بطلب المال وغيره . وأعرس بفاطمة بنت عمّه الإخشيد في ثامن صفر . وخرج من مصر يريد الشام في ثالث ربيع الآخر [ سنة 358 ] ومعه شمول في جماعة من القوّاد والجند . ونزل على ظاهر دمشق فأقام مدّة أشهر إلى أن قدم جوهر القائد إلى مصر في شعبان منها ، وبعث جعفر بن فلاح بالعساكر إلى بلاد الشام . فسار الحسن في شهر رمضان من دمشق ، واستخلف عليها شمولا الإخشيديّ ، ونزل بالرملة وتأهّب للقتال ، فوافقه القرامطة ولقيهم فهزموه في ذي الحجّة ، ثمّ جرى بينه وبينهم صلح وصاهرهم ، ورحل القرامطة . فكتب إلى شمول بأن يسير إليه ليجتمعا على حرب جعفر بن فلاح ، فتقاعد عنه لحقد كان في نفسه منه ، وصار يكاتب جوهرا القائد بمصر . فبينا هو في ذلك إذ قدم جعفر بن فلاح بالعساكر فلقيه وحاربه فانهزم ، وأخذ السيف عسكره فقتل كثير منهم ، وأخذ أسيرا في النصف من شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة .

--> ( 1 ) هذه الأبيات في ديوانه ( شرح العكبري 2 / 146 ) ، وكلام المقريزي يوهم أنّ أبا الطيّب لم يمدح الحسن بن عبيد اللّه بن طغج . والواقع أنّه مدحه بقصيدة ميميّة معروفة [ الطويل ] : أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم * علمت بما بي بين تلك المعالم وكان ذلك أثناء اضطرابه الأوّل بالشام ، سنة 336 ، فلمّا فارق سيف الدولة وقصد كافورا ، سنة 346 ، رغب إليه أمير الرملة فاعتذر بهذه الأبيات ( انظر : عبد الوهاب عزّام : ذكرى أبي الطيّب بعد ألف عام ، القاهرة 1956 ، ص 77 - 78 ) . ( 2 ) « البستان المختار » أحد منتزهات جزيرة الروضة . ( 3 ) السواد : شعار العبّاسيّين . ( 4 ) تأتي ترجمته رقم 1175 .