المقريزي

166

المقفى الكبير

مشغول بصاحب الزنج وكثرة الفتن ، فلم يبق أحد إلّا خافهم لقوّتهم وتمكّنهم في البلاد . ومات عبدان ، وكان منهم رجل يقال له مهرويه قد عرف بالثقة والدين ، فانقاد إليه خلق كثير وقال : أنا من ولد عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وصار يركب في قبّة على جمل ويدعى بالسيّد ، وكان له ابن يقال له زكرويه ، أحد الدعاة ، ومن الناس من يسمّيه الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، فاتّهم زكرويه بقتل عبدان ، فخاف ثمّ تحوّل من سواد الكوفة وأنفذ ابنه أبا الحسين إلى الشام ، فكان صاحب الجمل . وقال قوم : بل خرج من الكوفة الحسين ونزل سلميّة فوجد بها بني أبي الملاحف ، وهم : أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد وأخواه « 1 » أبو العبّاس أحمد وحسن . فاستمالوه إلى القرمطة وحسّنوا له أن يدعو إلى أبيه محمد بن إسماعيل فأجابهم إلى ذلك . وكان معه من أولاده أربعة ، هم : أبو القاسم أحمد بن الحسين صاحب الجمل ، وأبو الحسن علي صاحب الخال ، وأبو محمد عبيد اللّه الذي ملك إفريقيّة ، والقاسم الذي خرج مع أبيه الحسين بالهبير . فخرج أبو القاسم أحمد في أوّل المحرّم سنة تسعين ومائتين في ألف رجل وتوجّه إلى الرقّة وقاتل عاملها سبك الديلمي وقتله وأخذ جميع ما في عسكره ، وسار إلى دمشق فخرج إليه طغج بن جفّ عاملها من قبل أبي موسى هارون بن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، فهزمه أقبح هزيمة وقتل أكثر من معه وأخذ أموالهم ، ونجا طغج إلى دمشق ، فنزل أبو القاسم على دمشق من داريّا إلى المزّة وحصرها سبعة أشهر حتى قدم بدر الحمامي بجيوش مصر ، فزحف إليهم وقد ركب جملا أحمر قدّام عسكره ، وحوله مائة أسود بسيوف وحجف « 2 » ، فكان إذا أشار بكمّه إلى ناحية من عسكره حملوا على عساكر مصر وهزموهم ، إلى أن انتدب له فارس من أهل مصر [ ف ] طعنه برمح أرداه عن الجمل ومات وقتل الفارس « 3 » . وقام من بعد أبي القاسم أخوه أبو الحسن عليّ صاحب الخال ، فمضى بمن معه عن دمشق . فبعث إليه المكتفي أبا الأغرّ السلميّ ، فلقيه على حلب وهزمه . فسيّر إليه محمد بن [ 510 أ ] سليمان الكاتب فواقعه بناحية سلميّة وقتل من أصحابه ستّة آلاف رجل . وفرّ فقبض عليه وحمل إلى بغداد ، فدخل على فيل في ثاني ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين ، فصار يقول : « ألستم يا فسقة بقايا قتلة الحسين بن علي ؟ » وضربت عنقه وعنق المدّثر ابن أخيه - واسمه عبد اللّه بن محمد بن الحسين بن محمد بن إسماعيل - وبقيّة أصحابه ، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة . وقيل : إنّه قتل هو وأخوه من أهل الشام والبوادي وأصحاب السلطان وأهل المدن ومن جند مصر ومن جند العراق نحو ستّمائة ألف إنسان . ولمّا قتل المكتفي من ذكرنا غضب لذلك الحسين بن محمّد وجمع وسار إلى الكوفة وقتل جماعة ونهب . ثمّ سار وأخذ الحاجّ بأسرهم ، فخرج إليهم جيش من بغداد وقاتلهم وقتلهم في ربيع الأوّل سنة خمس وتسعين [ ومائتين ] ، وقتل الحسين بن محمد وابنه القاسم ، وقتل معه زكرويه وسائر دعاته ، فهذه جملة أخبار القرامطة

--> ( 1 ) في المخطوط : وأخويه . ( 2 ) الجحفة : الترس من جلد . ( 3 ) في الكامل ( سنة 290 ) : رماه بعض المغاربة بمزراق ، وزرقه نفّاط بالنار فاحترق .