المقريزي

14

المقفى الكبير

إلى أيّام الظاهر بيبرس . واختصّ بالأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ نائب الشام ، وعظم قدره . ثمّ قبض عليه بعده ، وحبس بالقاهرة مدّة سنين . ثمّ أفرج عنه ، واستقرّ بديوان الجيش بمصر . ثمّ أضيف إليه ديوان جيش الشام . ثمّ قبض عليه واعتقل . ثمّ أفرج عنه . فمضى من القاهرة إلى دمشق بطّالا . وأقام بها حتى مات سنة اثنتين وسبعين وستّمائة عن سبعين سنة بدمشق . وله تاريخ مفيد « 1 » ، وله فضيلة . 1063 - جرجي الأنطاكيّ وزير روجار [ - 546 ] « 2 » جرجي بن ميخائيل الأنطاكيّ ، وزير روجار ملك الإفرنج بجزيرة صقلّيّة . كان من جملة النصارى ، وعمل هو وأهل بيته لملك القسطنطينيّة مدّة . ورفع عليه وعلى أهله فأمر الملك بوصولهم إليه بالأهل والولد ، فجمعوا في مركب وخرجوا في أربعين نفسا . فلقيهم أسطول السلطان تميم بن المعزّ بن باديس صاحب بلاد الغرب ، وذلك في سنة نيف وثمانين [ 294 ب ] وأربعمائة ، وهو راجع من غزو جزائر القسطنطينيّة ، فأخذهم وأتى بهم إلى المهديّة من أرض إفريقيّة . فسألوا الحضور بين يدي تميم فأمر بإحضارهم فذكروا أنّهم حسّاب وأنّ السلطان ينتفع بهم في الخدم . فأحسن تميم إليهم وقلّدهم الأمور . فظهر نصحهم . وولّى جرجي هذا عاملا على مدينة سوسة . وجعل سمعان أخاه بين يديه وكان لم يبلغ الحلم . فجعل يلتقط الأخبار من إخوته ومن غيرهم ويوصلها إليه . فبلغ السلطان يحيى ابن تميم عن سمعان أنّه نقل عنه كلاما . فضاق به صدره وثقل على يحيى بن تميم فأمر من خنقه ليلا . ومات السلطان تميم وقام من بعده ابنه يحيى بن تميم فخافه جرجي ، وكتب إلى السلطان عبد الرحمن « 3 » وزير الملك روجار بن روجار ملك الفرنج المعروف بأبي تليس صاحب جزيرة صقلّيّة يأمره فيه أن يبعث له شينيّا غزوانيّا ليهرب فيه . فوصل الشيني إلى المهديّة في سنة اثنتين وخمسمائة ، وفيه رسول إلى السلطان يحيى بن تميم . فأخذ جرجي وجميع أقاربه وسار بهم بحيث لم يعلم به أحد . فلمّا قدموا عليه أحسن إليهم وولّاهم بصقلّيّة فأظهروا النصح فصار لهم عنده منزلة . وشبّ الملك روجار وشارك عبد الرحمن الوزير في الأمر والنهي . فتقرّب إليه جرجي بكلّ ما يوافقه . فبعث جرجي رسولا إلى مصر كرّات متعدّدة . ولم يزل جرجي يسعى بالسلطان عبد الرحمن حتّى أخذه روجار وجعله في قفص حديد وقتله . وولّى وزارته أبا الضوء كاتب إنشائه ، وكان من أهل الأدب ، فلم ينهض بالأمر . فولّى جرجي الوزارة ، فجمع الأموال ورتّب قواعد الملك وحجب روجار عن الرعيّة ، وجعل له زيّا كزيّ المسلمين ، لا يركب ولا يظهر للرعيّة إلّا في الأعياد ، وبين يديه الخيل المسوّمة بسروج الذهب والفضّة ، والأجلّة المرصّعة بالأحجار ، والقباب بالهوادج ، والبنود المذهّبة ، والمظلّة والتاج على رأسه .

--> ( 1 ) هما تاريخان : الأول إلى ظهور الإسلام ، والثاني إلى عصر الظاهر بيبرس ( زيدان والزركلي ) . وفي الهدية 1 / 250 سمّاه الجامع لأخبار العالم إلى سنة 1118 م . ( 2 ) اتّعاظ 3 / 187 ؛ الكامل ( سنة 543 ) ؛ رسالة إدريس ( انظر الفهرس ) . ( 3 ) عبد الرحمن بن عبد العزيز النصراني ، ويقول إدريس 335 : إنّ المصادر المسيحيّة تسمّيه « كرستوبولوص » .