المقريزي

130

المقفى الكبير

[ فقال سليمان : ] أيّ شتم هذا ؟ إنّ عدوّ اللّه الحجّاج كتب لي : « إنّما أنت نقطة ، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك [ 333 ب ] كنت لك كما كنت لهما « 1 » . وإلّا فأنا الحجّاج وأنت نقطة ، فإن شئت محوتك ، وإن شئت أثبّتك ! » ، فالعنوه لعنه اللّه ! فأقبل الناس يلعنون [ ه ] ، فقام بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعريّ فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرك عن عدوّ اللّه بعلم . قال : هات . قال : كان عدوّ اللّه يتزيّن تزيّن المومسة ويصعد المنبر فيتكلّم بكلام الأخيار ، وإذا نزل عمل أعمال الفراعنة ، و [ كان ] أكذب في حديثه من الدجّال . فقال سليمان لرجاء بن حيوة : هذا وأبيك الشتم ! لا ما تأتي به هذه السّفلة . وعن عوانة قال : قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة على الحجّاج ، فكتب إليهم : أمّا بعد ، فإنّكم قد استحضتم « 2 » الفتنة - وفي رواية : قد استنتجتم الفتنة - فلا عن حقّ تقاتلون ولا عن منكر تنتهون . وأيم اللّه ! إني لأهمّ أن يكون أوّل ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد « 3 » ، وتخلّي النساء أيامى ، والأبناء يتامى . فأيّما رفقة مرّت بماء ، فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي تليه ، تقدمة منّي إليكم ، والسعيد من وعظ بغيره ! وكان الحجّاج يقول : أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة ، إذا شاء خطب ، وإذا شاء سكت - يعني الحسن بن أبي [ الحسن يسار ] البصريّ « 4 » . وقال يوما لعبد الملك بن مروان : لو كان رجل من ذهب لكنته . قال : وكيف ذاك ؟ قال : لم تلدني أمة بيني وبين آدم إلّا هاجر . فقال : لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب ! وكان الحجّاج يستعمل زياد بن عمرو العتكيّ ، فلمّا أتى عبد الملك في الوفد ، والحجّاج حاضر ، قال زياد : « يا أمير المؤمنين ، إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو ، وسهمك الذي لا يطيش ، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم » ، فلم يكن بعد ذلك أخفّ عليه منه « 5 » . وكتب الحجّاج إلى عامل له بفارس : ابعث إليّ من عمل خلّار ، من النحل الأبكار ، من شرح الدفتسشار ، الذي لم تمسّه النار . وشكا الحجّاج لجامع المحاربي « 6 » سوء طاعة أهل العراق ، فقال : أما إنّهم لو أحبّوك لأطاعوك ، على أنّهم ما شنئوك لنسبك ، ولا لبلدك ، ولا لذات نفسك . فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك . والتمس العافية ممّن دونك تعطها ممّن فوقك . وليكن إيقاعك بعد وعيدك ، ووعيدك بعد وعدك ! فقال الحجّاج : إنّي واللّه ما أرى أن أردّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلّا بالسيف ! فقال : أيّها الأمير ، إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار .

--> ( 1 ) أبوه عبد الملك بن مروان وأخوه الوليد بن عبد الملك . وقد تولّى سليمان بعد الوليد سنة 96 . ( 2 ) في العقد 1 / 51 : استخفّتكم . ( 3 ) في المخطوط : والتالف . ( 4 ) الحسن البصري : انظر ترجمته في الوفيات 2 / 69 ( 156 ) . ( 5 ) العقد 2 / 137 . ( 6 ) العقد 2 / 179 و 4 / 114 ، وقال : وكان جامع شيخا صالحا لبيبا خطيبا جريئا على السلطان .