المقريزي
131
المقفى الكبير
قال الحجّاج : الخيار يومئذ للّه . قال : أجل ، ولكن لا تدري لمن يجعله اللّه ! فغضب الحجّاج وقال : يا هناه ، إنّك من محارب ! فقال [ الطويل ] : وللحرب سمّينا وكنّا محاربا * إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا « 1 » فقال الحجّاج : لهممت واللّه أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك ! فقال : إن صدقنا لك أغضبناك ، وإن غششناك أغضبنا اللّه ، فغضب الأمير أهون علينا من غضب اللّه . فقال : « أجل » ، وسكن . وشغل الحجّاج ببعض الأمر ، فانسلّ جامع وهرب . [ بعض خطبه ] وخرج الحجّاج يوما من القصر بالكوفة فسمع تكبيرا بالسوق فراعه ذلك ، فصعد المنبر فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه : يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ومساويء الأخلاق ، وبني اللكيعة ، وأولاد العصا ، وأبناء الإماء والفقع بالقرقر [ ة ] « 2 » ، إنّي سمعت تكبيرا لا يراد به اللّه ، وإنّما يراد به الشيطان . وإنّما مثلي ومثلكم كما قال عمرو بن برّاقة « 3 » الهمداني [ الطويل ] : وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا يآل همدان ظالم ؟ متى تجمع القلب الذكيّ وصارما * وأنفا حميّا تجتنبك المظالم أما واللّه لا تقرع عصا [ ب ] عصا [ ي ] إلّا جعلت [ ه ] ا كأمس الدابر ! وخطب أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم ، فقال : [ 334 أ ] يا أهل العراق ، إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم ، والعصب والمسامع والأطراف ، والأعضاء والشغاف ، ثمّ أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ ، ثمّ ارتفع فعشّش ، ثمّ باض وفرّخ فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وأشعركم خلافا ، فاتّخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تستشيرونه . فكيف تنفعكم تجربة أو تعطفكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو ينفعكم بيان ؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر ، وسعيتم بالغدر ، واستحببتم الكفر ، وظننتم أنّ اللّه يخذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي ، وأنتم تنسّلون لوذا وتنهزمون سراعا . ثمّ يوم الزاوية ، وما يوم الزاوية ! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة اللّه منكم ، ونكوص وليّكم عنكم ، إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها ، لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حتى عضّكم السلاح ، وقمرتكم الرماح . ثمّ يوم دير الجماجم ، وما دير الجماجم ! بها كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيله « 4 » ويذهل الخليل عن خليله . يا أهل العراق ، الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد
--> ( 1 ) البيت في البيان والتبيين 2 / 68 ، وقال : هو للخضريّ . ( 2 ) في العقد 4 / 115 : بالقرقرة . والفقع : الكمأة ، والقرقرة : الأرض المنخفضة . ( 3 ) في العقد 1 / 119 : ابن برّاقة الهمدانيّ و 4 / 115 : ابن برّاق الهمداني ، وفي عيون الأخبار 1 / 237 : لمالك بن حريم وهو بعض لصوص همدان . ( 4 ) الخطبة في العقد 4 / 116 والبيان والتبيين 2 / 139 ونهج البلاغة 1 / 276 وبمهرة أحمد زكي صفوت 2 / 294 . والمنتظر في كلامه بضرب . . . عن مقبلها ، ولكنّه ضمّن رجزا لعمّار بن ياسر كما قال ناشر النهج : ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله