المقريزي

129

المقفى الكبير

قالت : زدني ! قال : لك ثلاثمائة . فقال بعض جلسائه : إنّها غنم ! قالت : الأمير أكرم من أن يعطي غنما ! فاستحيى الحجّاج ، وقال : « اجعلوها إبلا » ، وما كان أراد إلّا غنما . وممّا مدحه به الفرزدق [ البسيط ] « 1 » : إنّ ابن يوسف محمود خلائقه * سيّان معروفه في الناس والمطر هو الشهاب الذي يرمى العدوّ به * والمشرفيّ الذي تمضي به مضر « 2 » لا يرهب الموت إنّ النفس باسلة * والرأي مجتمع والجود منتشر أحيا العراق وقد ثلّت دعائمه * عمياء صمّاء لا تبقي ولا تذر ونازع أبان [ الحارث ] فحجّ بالناس ، فقال الحارث [ الطويل ] : [ ف ] إن تنج منها يا أبان مسلّما * فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب فقال الحجّاج : وا عجبا للحارث ! يغلبه أبان ويهجوني ! [ تحويله الدواوين إلى العربيّة ] وفي أيّام الحجّاج قلب الديوان من الفارسيّة إلى العربيّة ، وذلك أنّ صالح بن عبد الرحمن كان منقطعا إلى زادان فروخ كاتب الحجّاج ، وهو كان سببه إلى الحجّاج ، فخفّ صالح للحجّاج حتّى كاد زادان ، فشقّ عليه ذلك . فقال صالح لزادان : إنّك سببي إلى هذا الرجل ، وإنّي أراني قد خففت لديه خفّة لست آمن أن يقدّمني عليك وأن تسقط . قال : لا تخف ! ذاك عليّ ، وهو أحوج إليّ منّي إليه . قال : كيف ذلك ؟ قال : لا يجد من يكفيه حسابه غيري . قال : لو شئت حوّلت الحساب بالعربيّة . قال : حوّل منه سطرا حتى أرى . فكتب منه أسطرا ، فلمّا رأى ذلك زادان قال لصالح : « تمارض ! » فتمارض ، فسأل الحجّاج عنه ، فقيل : شاك . فأرسل إليه طبيبه فلم ير علّة ، فأرسل [ صالح ] إلى زادان يخبره فقال له : اظهر وائته ! وانصرف [ زادان ] إلى أصحابه ، وقال : اطلبوا صنعة غير هذه . وأجّل الحجّاج صالحا أجلا حتّى قلب الديوان . ولمّا مات الحجّاج خطب عبد الملك بن الحجّاج ، وكان قد استخلفه أبوه على الصلاة ، فقال : « أنعى إليكم أسد الأسود وفارس الفرسان » ، ثمّ دفنه وأجرى الماء على قبره لئلّا يعرف مكانه . ورثاه الفرزدق ، وقال الهيثم بن عديّ : قدمت وفود العرب على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف ، فأمرهم أن يشتموا الحجّاج فقاموا يشتمونه ، فقال بعضهم : إنّ عدوّ اللّه كان عبدا دبّابا قنوّر ابن قنوّر ، لا نسب له في العرب « 3 » .

--> ( 1 ) ديوان الفرزدق نشر الصاوي 435 . ( 2 ) حاشية في الهامش : أي يجعلون سيوفه تمضي . ولكنّ الديوان - وكذلك المخطوط - أثبت تعصى ، وقال شارح الديوان : تتّخذه كالعصا تعتمد عليه . ( 3 ) القنوّر : السيّئ الخلق الشّرس ، وكذلك : الدعيّ في نسبه . وفي اللسان ( دبب ) : رجل دبوب وديبوب : نمّام . ولعلّ « دبّاب » منها .