المقريزي

127

المقفى الكبير

وبعث الحجّاج إلى عبد الملك بمال كثير وهو يومئذ بحمص [ 332 ب ] فأبرز سريره إلى برج حمص . ثمّ جلس وجلس الناس إليه فيهم خالد وأميّة ابنا عبد اللّه القسريّ ، فلمّا عرضت عليه هديّة الحجّاج قال : هذه واللّه الأمانة والنصيحة والحزم ! [ سياسة الحجّاج غاشمة ] ثمّ أشار إلى خالد فقال : إنّي استعملت هذا على البصرة فاستعمل كلّ فاسق فجبى عشرة فاختان تسعة ورفع إلى هذا درهما ، فرفع إليّ من الدرهم سدسا . واستعملت هذا - يعني أميّة - على خراسان وسجستان ، فبعث إليّ بمفتاح من ذهب زعم أنّه مفتاح مدينة الفيل « 1 » ، وبرذونين حطمين وجوير [ ي ] ات ، واستعملت الحجّاج ففعل كذا وكذا ، فإذا استعملتكم ضيّعتم « 2 » وإذا عزلتكم قلتم : قطعتم أرحامنا . فرفع خالد رأسه ، فقال : استعملتني على البصرة ، وأهلها رجلان : مطيع مناصح ومخالف مشانح « 3 » ، فأمّا المطيع فإنّي جزيته بطاعته فازداد رغبة . وأمّا المخالف فإنّي داويت عداوته واستللت ضغينته وكنزت صدره ودّا ، وعلمت أنّي متى أصلح الرجال أجب المال . واستعملت الحجّاج فجبى لك المال وكثّر العداوة في صدور الرجّال ، فكأنّك بالعداوة التي كنزها لك قد ثارت بالرجال ، فأنفقت المال فلا مال ولا رجال . فسكت عبد الملك ، فلمّا كان هيج عبد الرحمن ابن الأشعث جلس عبد الملك ومعه خالد ، فجعل يندب الناس إلى الفريضة ويضحك « 4 » . وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاصي : واللّه لقد كان الحجّاج وما عربيّ أنقص منه أدبا ، فطالت ولايته فكان لا يسمع إلّا ما يحبّ فمات ، وإنّه لأحمق سيّء الأدب . وقال ابن شوذب : ولي الحجّاج وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين ، فما رؤي مثله لمن أطاعه ولا مثله لمن عصاه . [ إشادة المنصور العبّاسيّ بخصال الحجّاج ] وقال إبراهيم بن صالح : كنّا في مجلس الصحابة ننتظر الإذن ، فكان ممّن حمده « 5 » معن بن زائدة ، وممّن ذمّه الحسن بن زيد ، فأذن لنا فدخلنا على المنصور ، فقال الحسن بن زيد : يا أمير المؤمنين ، ما كنت أحسبني أبقى حتّى يذكر الحجّاج في دارك وعلى بساطك فيثنى عليه . فقال له : وما استنكرت من ذاك ؟ رجل استكفاه قوم فكفاهم . واللّه لوددت أنّي وجدت مثل الحجّاج حتّى أستكفيه أمري ، وأنزل أحد الحرمين حتى يأتيني أجلي . فقال معن : يا أمير المؤمنين ، إنّ لك مثل الحجّاج عددا من أصحابك لو استكفيتهم كفوك . قال : ومن هم ؟ كأنّك تريد نفسك ! قال : وأريدها ، فإنّي أبعد من ذاك . قال : كلّا ، لست هناك . إنّ الحجّاج ائتمنه القوم فأدّى لهم الأمانة . وإنّا ائتمنّاك فخنتنا . ولمّا مات الحجّاج ، قال الوليد بن عبد الملك : أما واللّه لئن سئلت عنه - ولأسألنّ - لأقولنّ : كان واللّه القويّ الأمين . وقال مالك بن دينار : ربّما سمعت الحجّاج يخطب فيذكر ما صنع به أهل العراق وصنع بهم ،

--> ( 1 ) الفيل : قال ياقوت : مدينة ولاية خوارزم . ( 2 ) في المخطوط : ضيعتم هذا . والتصويب من العقد 4 / 24 . ( 3 ) شنّح عليه : شنّع ، وفي العقد : مبغض مكاشح . ( 4 ) هكذا في المخطوط : وفي العقد : وقال : هذا واللّه ما قال خالد . ( 5 ) يعني الحجّاج ، وكأنّ بالخبر نقصا .