المقريزي
126
المقفى الكبير
القوم أحد إلّا قال فيه ، وعمر بن عبد العزيز ساكت . فقال سليمان : يا أبا حفص ، ما لك لا تتكلّم ؟ فقال : ما عسيت أن أقول ؟ لو خابثنا الأمم بالحجّاج لغلبناهم . وقال عمر مرّة : الوليد بالشام ، والحجّاج بالعراق ، ومحمد بن يوسف باليمن ، وعثمان بن حيّان بالحجاز ، وقرّة بن شريك بمصر : امتلأت الأرض واللّه جورا ! وجلس عمر ببيت المقدس ، فجعل عبد اللّه بن قيس يقع في الحجّاج ، فجعل عمر يقول : « إيه ، ابن قيس ؟ » يكرّرها ، كأنّه يعزّيه به . وقال : وددت أنّي وجدت رجلا يعنيه أمر الحجّاج أخاصمه فيه ، فإن كان محقّا تبعته ، وإن كنت محقّا تبعني . واللّه ما كان الحجّاج يصلح لدنيا ولا آخرة ! وكان عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه جبى العراق ثمانين ألف ألف وما جبى الحجّاج إلّا أربعين ألف ألف . ولئن أبقاني اللّه لا أنتهي حتّى أجبيه ثمانين ألف ألف . وقال أبو عاصم النبيل : حدّثنا عبّاد بن كثير عن قحذم : جبى عمر العراق مائة وسبعة أو ثمانية وعشرين ألف ألف . وجباها عمر بن عبد العزيز مائة وأربعة وعشرين ألف ألف . وجباها الحجّاج ثمانية عشر ألف ألف . وقال عبّاد عن قحذم : أطلق سليمان بن عبد الملك في غزاة واحدة ثمانين ألف أسير ، وكتب أن يثبتوا ويلحقوا بأهاليهم . وقال صالح بن عبد الرحمن : عرضنا السجون بعد الحجّاج فوجدنا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يحلّ على أحد منهم قطع ولا صلب . ووجد أعرابيّ يبول في ربض مدينة واسط ، فأخذ وحبس حتى مات الحجّاج ، فأطلق فقال [ الطويل ] : إذا ما تجاوزنا مدينة واسط * خرينا وصلّينا بغير حساب « 1 » وتعبّث الحجّاج بقيس بن الهيثم السلميّ بالبصرة ، وضربه بالسّياط ، فكتب قيس إلى القيسيّة بالشام ، فدخلوا على عبد الملك فقالوا له : إنّ الحجّاج قد تعبّث بسيّدنا بالبصرة ، فضربه في غير ذنب . فكتب إلى الحجّاج يلومه ، وكتب إلى قيس : إن أحببت المقام بالبصرة فأقم ، ولا سلطان للحجّاج عليك . وإن أحببت اللحاق بأمير المؤمنين فالحق . فقال : لا أقيم ببلد الحجّاج فيه سلطان . فلحق بعبد الملك ، وكان من سمّاره . فذكر عبد الملك الحجّاج ليلة فأثنى عليه فسكت قيس ، فقال له : ما لك لا تتكلّم ؟ قال : قد قال أمير المؤمنين . قال : قل ! قال : واللّه يا أمير المؤمنين ، لو أتتنا أمة ورهاء فرفدتها بما رفدت به الحجّاج لضبطت ما ضبط : قدم علينا زياد على راحلته فضبط العراق بأهل العراق ، وترك أهل الشام لثغورهم فلم يأتنا منهم برجل ، ثمّ أتانا ابنه من بعده غلاما حدثا فضبط العراق بأهل العراق وترك أهل الشام لثغورهم . وأتانا الحجّاج فلم يزل بخرقه وضعف منّته حتى أخرب البلاد وأخاف الناس ، وكتب إليك يستنصرك فأمددته بأهل الشام وعطّلت الثغور . فلو أمددت أمة ورهاء بما أمددته به لضبطت ما ضبط .
--> ( 1 ) في العقد 3 / 482 ) . . . وبلنا لا نخاف عقابا .