المقريزي

109

المقفى الكبير

قال : فأين هم من الشيخ ؟ قال : فضله عليهم كفضلهم على الناس . قال : صدقت ، هم كما وصفت . فأيّ بنيه أفضل وأعظم غناء ؟ قال : ذاك إليه ؟ قال : لا ، بل قل أنت في ذلك ، فإنّي أرى لك عقلا . قال : هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها . قال : أخبرني كيف فاتكم قطريّ ؟ قال : كادنا بما كنّا نكيده به . قال : فهلّا طلبتموه ؟ قال : كان الحدّ أحبّ إلينا من الفلّ . قال : أجل ، أصبتم ووفّقتم . فكيف رأيت رجال الجند ورآهم ؟ قال : أرضاهم الحقّ ووسعهم النفل . وهم مع رجل يقاتل معهم قتال صعلوك ، ويسوسهم سياسة الملوك ، فلهم منه شفق الوالد ، وله منهم برّ الولد . فقال الحجّاج : هل كنت هيّأت ما أرى ؟ قال : لا يعلم الغيب إلّا اللّه ! فالتفت الحجّاج إلى عنبسة بن سعيد [ وقال ] : هذا واللّه الكلام المخلوق ، لا ما يضع الناس ! « 1 » ثمّ أحسن جائزته ، وردّه إلى المهلّب . [ دخول المهلّب عليه بالبصرة ] وكتب المهلّب إلى عبد الملك بالخبر وبهرب قطريّ ، وموت عبد ربّه الكبير وأصحابه ، فكتب إليه يأمره أن يستخلف على كرمان بعض ولده ويرجع إلى البصرة ، فيقيم بها حتى يأتيه أمره . فاستخلف المغيرة بن المهلّب ، وخلّف معه أخاه يزيد بن المهلّب ، وقدم البصرة . وبها الحجّاج مقيما ، فلمّا دخل عليه نهض إليه عن سريره وسأله عن حاله وجزاه خيرا . وكان على المهلّب سيف كان الحجّاج بعث به إليه ، وهو السيف الذي كان بعث به محمّد بن يوسف أخو الحجّاج إليه من اليمن ، وهو سيف ذي نواس ، وجد في قبر ورضوى ابنتي ذي نواس ، وكان سيفا قصيرا ، فبعث به الحجّاج إلى المهلّب ، وكان المهلّب قبل ذلك إنّما يتقلّد سيف سعد بن أبي وقّاص . فلمّا بعث إليه الحجّاج بذلك السيف تقلّدهما جميعا . فلمّا رأى الحجّاج سيفه على المهلّب ، قال : يا أبا سعيد ، ما أجود سيفك هذا لولا قصر فيه ! قال المهلّب : إنّه لا يقصر عمّن يصله بخطوه . قال : يا أبا سعيد ، ادع لي أهل البلاء من أصحابك على قدر بلائهم . فبدأ المهلّب ببنيه ، وقال : أما واللّه ، لولا أنّي أراهم مستحقّين ذلك ما بدأت بهم ، ولكنّي أكره أن أظلمهم . ثمّ دعا بأهل البلاء بعدهم ، فقام رجل من بني عامر بن صعصعة ، فذكر بلاء كان منه ، فصدّقه المهلّب . وقال الرجل : فو اللّه لقد رميت فيهم بعشرين سهما كلّها صيغة ، فما أشويت ، وما أنميت وبكلّها أصميت « 2 » .

--> - غير مفهومة ، وفي هامش العقد : فإذا أليلوا ففرسان البيات . وفي المروج 3 / 359 : كانوا أعداء الأبيات حتّى يأمنوا ، ولعلّها القراءة الصالحة . ( 1 ) في العقد 2 / 82 : هذا الكلام المطبوع ، لا الكلام المصنوع . ( 2 ) السهام الصيغة : صاغها صانع واحد أو على منوال واحد . ورمى الصيد فأصماه ( قتله مكانه ) أو أشواه ( أصابه في الشوى أي الأطراف فلم يمت ) أو أنماه ( أصابه ولكنّه لم يمت بين يديه فلا يحلّ الأكل منه بأنّ قد يكون مات جيفة ) ومنه الحديث : كلّ ما أصميته ودع ما أنميته .