المقريزي

110

المقفى الكبير

فقال الحجّاج لجلسائه : أتدرون ما عنى الرجل ؟ أمّا الإشواء فما لم يصب مقتلا ، وأمّا الإنماء فما حمل الرميّة حتى تتغيّب عن صاحبه . وأمّا الإصماء فما أقعصه مكانه . وأمّا الصيغة فعمل يديه . ثمّ دعا المهلّب بقطن بن قبيصة الهلاليّ ، وأخبر بشرفه ونجدته وبلائه ، وقال : ما أعلم فيه عيبا عند الحرب إلّا ضعف صوته . فقال الحجّاج : أو تعدّون ذلك في الحرب عيبا ؟ قال : نعم . فأحسن جائزته وولّاه إصطخر ، وتزوّج ابنته أمّ خالد بن [ ت ] قطن . ثمّ قال الحجّاج للمهلّب : يا أبا سعيد ، أيّ أمرك أحبّ إليك إذا لقيت عدوّك ؟ قال : أحبّ الأناة وأكره العجلة . فقال الحجّاج : إنّ في اللقاء [ 326 ب ] لراحة . قال : ذلك إذا كانت لك العاقبة . فلمّا خرج المهلّب من عند الحجّاج قال : لقد رأيت رجلا لا يدع بالعراق شرفا إلّا وضعه . ثمّ قال الحجّاج للمهلّب : يا أبا سعيد ، لو أعنت الأمير - يعني نفسه - على هديّة أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، حكمك أيّها الأمير . قال : ألف ألف درهم . فلمّا انصرف قال له بنوه : أتدري ما صنعت ؟ من أين تجمع ألف ألف ؟ واللّه لو حملتها إليه جملة لقد طلب إليك أضعافها . قال لهم : أتأمروني أن أرجع عن شيء قد تكلّمت به ؟ ما هذا بكائن . وأمر بجمعها ، فجعل الحجّاج يقول له كلّما دخل عليه : يا أبا سعيد ، ما صنعت في حاجتي ؟ فيقول : نعم ، أنا في جمعها . فلمّا اجتمعت حملها إليه . فأخرج له عهده من عبد الملك على خراسان ، وذلك بعد مقام المهلّب ثلاثة أشهر بالبصرة ، وعلى خراسان يومئذ أميّة بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد . وكان الحجّاج يكتب إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان ، فيأبى عليه كراهة لعزل أميّة . فلمّا قدم المهلّب البصرة ، كتب الحجّاج إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان للمهلّب ، فبعث إليه بعهد المهلّب عليها ، وأمره أن يصرف أميّة صرفا جميلا . وكتب إلى المهلّب أن يقيم بالبصرة تمام سنة ، وأن يقدّم رجلا من ولده إلى خراسان . فندب ابنه حبيب بن المهلب إليها ، فدعاه الحجّاج وقال : اعرض عليّ دوابّك التي تسير عليها . فعرضها قال : ما أرى شيئا أرضاه لك . وأمر له من مربطه ببغلة خضراء ، فقال : « اركب هذه » ! وأمر له بعشرة آلاف درهم . فسار حبيب على تلك البغلة لم يحوّل عنها سرجه إلى مرو في سبع عشرة ليلة . فلمّا دنا من باب المدينة تلقّاه حمل حطب فنفرت البغلة وحاصت « 1 » . وكان حبيب يتعجّب من نفارها بعد ذلك الجهد وشدّة السير . وأقام بمرو عشرة أشهر حتّى قدم عليه المهلّب في صدر سنة تسع وسبعين . [ اختباره مروءة أبناء المهلّب ] وقد كان الحجّاج كتب إلى المغيرة بن المهلّب ، وهو على كرمان يأمره بالقدوم عليه ، فلمّا سار المهلّب إلى خراسان ، وكان بالأهواز ، تلقّاه بها أولاده الثلاثة ، وهم : المغيرة وعبد الملك ويزيد ،

--> ( 1 ) هكذا في المخطوط ، ولم نجد لها في المعاجم معنى النفور .