المقريزي

212

المقفى الكبير

وروى أيمن عن أبيه وعمّه . وروى عنه الشعبيّ . وهو شاميّ نزل الكوفة . وقدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين ، واستعان به على ولده عبد العزيز بن مروان حين كره الإقامة بمصر . وكان شاعرا محسنا . قال الشعبيّ : أرسل مروان إلى أيمن بن خريم يوم المرج يوم قتل الضحّاك بن قيس الفهريّ : ألا تخرج تقاتل معنا ؟ ألا تتبعنا على ما نحن فيه ؟ فقال : إنّ أبي وعمّي شهدا بدرا ، وإنّهما عهدا إليّ ألّا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه . فإن جئتني ببراءة من النار فأنا معك . فقال : لا حاجة لنا بمعونتك . فخرج وهو يقول [ وافر ] : ولست مقاتلا رجلا يصلّي * على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعليّ إثمي * معاذ اللّه من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير جرم * فلست بنافع ما عشت عيشي وقال الدارقطني : قد روى أيمن بن خريم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال ابن عبد البرّ : وأمّا أنا فما وجدت له رواية إلّا عن أبيه وعمّه . وقال أبو الفرج الأصبهانيّ : وكان أيمن يتشيّع . وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث فلم يحضرها . وقال مجالد : كان [ 260 ب ] عبد الملك بن مروان شديد الشغف بالنساء . فلمّا أسنّ وضعف عن الجماع ازداد غرامه بهنّ . فدخل عليه أيمن بن خريم فقال له : كيف أنت يا أيمن ؟ قال : بخير يا أمير المؤمنين . قال : كيف قوّتك ؟ قال : كما أحبّ وللّه الحمد : إنّي لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البرّ ، وأشرب العسّ المملوء أعبّه عبّا ، وأرتحل البعير الصعب فأنضيه ، وأركب المهر الأرن « 1 » فأذلّله ، وأفترع العذراء لا يقعدني عنها الكبر ولا يمنعني منها إلّا السحر ، لا يرويني الغمر ولا ينقضي منّي الوطر . فغاظ عبد الملك قوله وحسده . فمنعه العطاء وحجبه وقصده بما يكره حتى أثّر ذلك في حاله . فقالت له امرأته : ويحك ! اصدقني عن حالك ! فهل لك جرم ؟ قال : لا واللّه . قالت : فأيّ شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته ؟ فأخبرها . فقالت : إنّا للّه ، ها هنا أتيت ! أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك ، فقد حسدك الرجل على ما وصفت به نفسك . فتهيّأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك فقالت : أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي . قالت : وما له ؟ قالت : ما أدري أنا مع رجل أو مع حائط ، وإنّ له لسنين ما يعرف فراشي . فاسأليه أن يفرّق بيني وبينه . فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت له ذلك وسألته في أمرها . فوجّه إلى أيمن فأحضره وسأله عمّا شكت امرأته . فاعترف بذلك . فقال له : أو لم أسألك عام أوّل عن حالك ، فوصفت لي كيت وكيت ؟

--> ( 1 ) الأرن من المركوب : الفاره النشيط الجامح .