المقريزي

144

المقفى الكبير

في الخدمة [ 214 أ ] وقصد السلطان أن يريحه من الخدمة ، وأسرّ إليه أنّه إن علم أنّ الأمير يختار التوجّه إلى طرابلس ويكون خاطره طيّبا فليتوجّه ، وإلّا فليقم على حاله . فلمّا بلغه ذلك ابتسم وقال : أنا ما أشتهي التوجّه ، ولا أخالف المرسوم ، ثم قال : واللّه ، ما بقي يخلّينا هنا ولا هناك . فما زال المصري يتلطف به حتى أجاب بالسمع والطاعة ، فخلع عليه السلطان من الغد وحمل إليه ألف دينار . ثمّ استدعاه وطيّب خاطره وبعث معه الأمير سيف الدين برسبغا متسفّرا ليقلّده النيابة على العادة . فلمّا وصل بلبيس بعث إلى برسبغا بأنّي أريد أن أكون في مسيري منفردا ، ولا أحبّ أن أبقى معك في الترسيم إن ركبت ركبت معي ، وإن نزلت نزلت معي ، فسر وحدك وأنا أسير وحدي ، فإنّي واللّه ما أهرب . فلم يجد بدّا من موافقته لما يعلم من حدّة خلقه ، حتى قدم به طرابلس ، فأقام بها ، وهو يبالغ في طلب الإقالة ، وأن يكون بالقدس ، إلى أن وصلت مركب للفرنج فيها عدّة سرّاق إلى ميناء طرابلس تطلب غرّة المسلمين [ 211 أ ] « 1 » ، فركب إلى محاربتهم ومعه طوائف الناس . فدفعت الريح مركب الفرنج عن الميناء وعاد بها أهلها من حيث أتوا ، فلم يجد النائب بالميناء مركبا للمسلمين ليتبع به الغريم . وذكر أهل البلد أنّ الفرنج قدموا في السنة الماضية وأخذوا من الميناء مركبا للتجّار . وهم هؤلاء الذين نراهم . فوقف حتى هيّأ الآلات لعمل مركب أنفق فيه أربعين ألف درهم من ماله ، إلى أن كملت عمارته ، فقدمت مركب فرنج متحرّمين ، فركب في العسكر وأخرج المركب التي أنشأها وفيها عدّة من المقاتلة ، في طلبهم ، فقاتلوهم وأخذوهم بعد ما قتلوا منهم جماعة كثيرة ، وعاد ومركب الفرنج معهم . وكان لقدومهم فرح زائد بطرابلس ، وأخرج بالفرنج مشهورين ، وفيهم صاحب المركب ، وله معرفة باللسان العربيّ ، وقوّة نفس وشهامة . فأنكر أن يكون حراميّا ، و [ قال ] إنّه تاجر ، وقد نهب ماله وكان شيئا كثيرا . فذكر بعض التجّار أنّه يعرف هذا الفرنجيّ وأنّه كان بقبرس فخرج عليه هذا في طريقه وقاتلهم في البحر وأخذ مركبهم . واعترف أيضا بعض من مع الفرنجيّ من النواتيّة بأنّ هذا الفرنجيّ حراميّ ، وأنه هو الذي قدم في السنة الخالية إلى ميناء طرابلس وأخذ منها المركب . فبعث حينئذ النائب وأحاط بموجوده ، وكتب يعرّف السلطان الخبر بنصّه فأجيب بالشكر ، وحمل الفرنجي فبعث به مقيّدا . فلمّا مثل بين يدي السلطان أكثر من التظلّم ، وأنه تاجر قصد بلاد السلطان بهديّة سنيّة ليقدّمها له ، ويتبضّع في بلاده ، فأخذ نائب طرابلس أمواله وجعله حراميّا . فشقّ ذلك على السلطان وطلب الأمراء حتى سمعوا هذا من الفرنجي . وأخذ ينكر على الأمير آقوش ويقول : انظروا ما يعمل في بلادي كيف يفسد عليّ التجّار حتى يشاع عنّي قبح السيرة في الممالك . فاستطال الفرنجيّ عند ذلك في الكلام وشنّع في القول بحيث رحمه الأمراء . ثمّ كتب للأمير جمال الدين آقوش بإعادة مركب الفرنجيّ إليه وجميع ما أخذ له ، فإنّه رجل تاجر ، والتاجر لا يتعرّض له . فلم يوافق [ آقوش ] على ذلك وأجاب بأنّ الناس قد تحقّقوا بأنّه مؤذ يقطع الطريق ، فلا يسمع السلطان قوله فإنّه كذب .

--> ( 1 ) انقطع هنا مخطوط ليدن .