المقريزي

145

المقفى الكبير

فكتب إليه بإعادة المركب وجميع ما أخذ إلى الفرنجي . فلم يجد عند ذلك بدّا من تسليم المركب للفرنجيّ . وكتب يسأل الإعفاء من النيابة ، فأجيب بالإعفاء ، وأنّه يتوجّه إلى صرخد أو بعلبك . وتوجّه إليه الأمير برسبغا ، فسار من طرابلس إلى دمشق ليلبس خلعة صرخد من الأمير تنكز نائب الشام . فخرج إليه تنكز وتلقّاه وعمل له سماطا [ 214 ب ] في دار السعادة . وحضر الأمراء فأمسكوه على السماط ، وسجن بقلعة دمشق في يوم الخميس نصف جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين . ثم نقل منها إلى صفد فسجن بقلعتها . ثم حمل من صفد إلى الإسكندريّة في مستهلّ شوّال . وأعيد الأمير طينال إلى نيابة طرابلس . فلم يزل آقوش بسجن الإسكندريّة إلى أن أشاع السلطان بأنّ نائب الإسكندريّة بعث يستأذن في تمكين الأمير جمال الدين آقوش من إدخال المزيّن إليه ليقطع سلعة « 1 » ظهرت له في وسط رأسه . ثم بعث السلطان بابن منيف مقدّم الرماة ليمضي قضاء اللّه فيه ، فقتله في يوم [ الأحد سابع جمادى الأولى ] سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة ، فدفن بها ثم نقل [ . . . ] . وكان شكلا غريبا في هيئته وزيّه ، فإنّه خرطمانيّ « 2 » الجنس . وكان عليه وقار وله حرمة وافرة ومهابة زائدة ، بحيث إذا رآه من لا يعرفه هابه . وكانت أخلاقه صعبة ، يضرب الألف عصا وأكثر ، فمات جماعة تحت ضربه ، منهم أحد بازداريّة السلطان : رآه خارج القاهرة بأراضي اللوق ، وهو يشتم سقّاء عنده ويشتم أستاذه . فضربه أكثر من ألف وهو يقول له : أنت وإيّاه تتشاتما [ ن ] ، إيش كنت أنا ؟ - فمات بعد يومين . وهذه إحدى ذنوبه عند السلطان . وقتل جارية السلطان زوجة بكتمر الساقي بسبب الميراث ، لأنّ ابنته أيضا كانت زوجة بكتمر فضرب الجارية ستّمائة عصا . وعمّر تحت الجبل مغارة كان يخلو فيها عدّة أيام ، واتّهم أنّه كان يحفر فيها رغبة في الظفر بالمطالب « 3 » ، فكان يركب من بيته آخر الليل ، وتارة يخرج ماشيا ، وغلامه يقود الفرس وراءه ، ومعه مملوك واحد ، حتى يصل إلى الجبل ماشيا . وكان يخرج إلى الخدمة أحيانا وهو ماش حتى يصل إلى القلعة ، والفرس على يد الغلام . وأنشأ الصاحب أمين الملك في وزارته حوانيت بجانب باب النصر ليعمل علوّها ريعا ، فبعث إليه بأنّ هذا الباب يدخل منه رسل ملوك الشرق ، وما ينبغي أن يضيّق بالبناء فيه ، فلم يكترث بقوله . فتركه حتى كمل البناء وركب ومعه غلمانه وهدمه إلى الأرض . وجدّد بناء قبّة النصر تحت الجبل ، وتولّى عمارتها من مال السلطان . وكان فيه خير ، وله صدقات وبرّ ومعروف . وأنشأ جامعا في طرف الحسينيّة بجوار قناطر الإوزّ خارج القاهرة . وكان يعمل في يوم العيد سماطا نظير سماط السلطان ، فإذا فرغ الناس من أكله عبأ أطباقا كبارا ، في كلّ طبق أربع زباديّ « 4 » كبار وصحن مطويّ وبعث إلى جميع جيرانه حتى يعمّهم كلّهم ، ثم يبعث إلى بيوت أجناده وبيوت مماليكه وبيوت غلمانه كلّ واحد باسمه ، ثم يتصدّق بما بقي . ولم

--> ( 1 ) السّلعة : تورّم يبرز بالرقبة أو غيرها . ( 2 ) خرطمانيّ : طويل الأنف ( دوزي ) . ( 3 ) المطالب : الكنوز المخفيّة في باطن الأرض . ( 4 ) الزبديّة : الجفنة والصحن الكبير .