علي بن حسن الخزرجي

1506

العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن

وقيل كانت ( حلية ) « 1 » الصليحي عند الداعي في كتاب الصور ؛ وهو من الذخائر القديمة ، فأوقفه منه علي تنقل حاله ، وشرف ماله ، وأطلعه على ما أطلعه عليه سرا من أبيه القاضي محمد وأهله جميعا ، ثم حانت وفاة الداعي عامر بن عبد اللّه الزواحي ؛ فأوصى بجميع كتبه له ، وأعطاه مالا جزيلا ؛ قد كان جمعه من أهل مذهبه ، وقد رسخ في ذهن علي بن محمد الصليحي ، ما رسخ ؛ فعكف على الدرس ، وكان ذكيا ؛ فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد ؛ غاية الأمل البعيد . فكان فقيها في مذهب الإمامية ، متبصرا في علم التأويل ، ثم إنه صار يحج بالناس دليلا على طريق السراة ، ولم يزل كذلك نحوا من خمسة عشر سنة ، ثم انتشر ذكره في البلاد على ألسنة الخاصة والعامة ، فكان الناس يقولون له : بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ، ويكون لك شأن عظيم ، فيكره ذلك وينكره على من يقوله ؛ مع كونه قد شاع وكثر في أفواه الناس ، فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربع مائة ، ثار في رأس جبل مسار - وهو أعلى جبل في تلك الناحية - وكان معه ستون رجلا قد حالفهم في مكة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت أو الظفر بقيام الدعوة ، وما منهم إلا من هو في عز من قومه ، ولم يكن يومئذ في رأس الجبل بناء ، إنما كان قلعة عالية منيعة قاسية ، فلما ملكها ؛ لم ينتصف ذلك النهار - الذي ملكها في ليلته - إلا وقد أحاط به عشرون ألف سياف ؛ فحصروه وشتموه ، وسفهوا آرائه ، وقالوا له إن نزلت ؛ وإلا قتلناك أنت ومن معك ، قال لهم : إني ما فعلت هذا إلا خوفا عليكم أن يملك هذا الجبل غيرنا ؛ فإن تركتمونا نحرسه لكم ؛ وإلا نزلنا إليكم ؛ فانصرفوا عنه وتفرقوا ، فلم يمض عليه شهر إلا وقد بناه وحصنه ، ودربه ، وأتقنه ، ولم يزل شأنه يظهر شيئا فشيئا حتى استفحل أمره ، ووصلته الشيعة من أنحاء اليمن ، وجمعوا له أموالا جليلة ، وأظهر الدعاء إلى المستنصر باللّه ؛ معد بن الظاهر باللّه العبيدي ؛ صاحب مصر ، فلما ظهر بمسار ، وكان معه فيه من سنحان ، ويام ،

--> ( 1 ) في ( د ) : ( حلقة ، أو خلقة ) الحاء مهملة .