علي بن حسن الخزرجي
1389
العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن
ذلك مقام الطعام ، فجعلت أسير وأتبع الأصوات ، فلم ألق أحدا ! فقلت في نفسي : لو كان فيّ شيء من الخير لكنت ألقى القوم ، ولم يحجبوا علي ! فحين خطر ذلك ببالي ؛ سمعت قائلا يقول : يا فقيه علي ؛ إن اللّه لم يستعملك لهذا عد إلى بيتك وانشر العلم ، فهو أفضل لك من العبادة التي أقبلت عليها ، فقلت له : سألتك باللّه الذي أعطاك ما أعطاك هل أنت إنسي أم جني ؟ فقال : بل إنسي ، فقلت : أظهر شخصك ؛ فظهر لي رجل في صورة حسنة عليه مدرعة وقلنسوة ؛ الجميع من صوف ، فسلم ورددت عليه ، ثم أعاد علي ما كان يكلمني منه عينا مشاهدة ، فقلت في نفسي : لعل هذا شيطان ! فقال : واللّه ما أنا بشيطان ؛ ولقد نصحتك فإن شئت أقم ؛ وإن شئت رح بعد استخارة اللّه تعالى ، ثم غاب عن بصري ، فصليت صلاة الاستخارة ، فلم أكد أفرغها حتى عرض في خاطري ذكر ابنة لي صغيرة كنت لها محبا ، فلم أطق الوقوف بعد ذلك بل عزمت على العود إلى منزلي ، فلما أخذت في ذلك داخلتني الوحشة من القفر ، وصرت كلما سمعت حركة في طريقي ارتعت منها ، وأنا مع ذلك سائر حتى أتيت البيت . قال المخبر عنه - وهو الفقيه طاهر بن عبيد كما حكاه الجندي - : فلما رآه بعض من يعرفه ؛ فبادر إلى أهل المنزل ، وبشرهم بوصوله ؛ فكساه بعضهم ثوبا بشارة له ، ثم خرج الناس من القرية مبادرين مستبشرين بقدومه ؛ فوجدوه يتلألأ نورا بحيث أن ناظره يعجز عن تأمله لذلك ، ولما صار واقفا بالبلد ؛ أقبل على العلم بجد واجتهاد . قال الفقيه أحمد بن سالم : أخبرني الثقة عن هذا الفقيه علي ، أنه قال : حججت سنة فبلغني أن الشيخ أبا الغيث قد تكلم في تفسير القرآن على المشكل منه ؛ فانتخبت من وسيط الواحدي عشر مسائل ؛ واستبنت حقائقها ، ولما صرت عائدا من الحج ؛ مررت ببيت عطا ، فدخلت على الشيخ ؛ فوجدت الناس يتغدون ، والشيخ قاعد على سرير في طرف الرباط ؛ فأمرني النقيب بالقعود والغداء ، ففعلت ، ثم لما فرغ الناس وتفرقوا ، فقلت في نفسي : أريد أن أسأل الشيخ ، ففتشت