علي بن حسن الخزرجي
1352
العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن
المسامحة الأشرفية فهاتها إليّ أنا أكتب لكم عليها ! « 1 » قال : فلما أصبح الصباح ، وأشرقت الشمس نادى مناد من باب السلطان : أين ورثة الفقيه الأصبحي يأتوا بمسامحتهم ؟ فأتوا بها ؛ فأدخلت على السلطان فأمر السلطان أن يكتب بإجرائها مسرعا . وكان الفقيه رحمه اللّه له محفوظات كثيرة من الأخبار والأشعار ، قال الجندي : أنشدني من لفظه للإمام الشافعي رحمه اللّه في النهي عن أكل التراب : دع الطين معتقدا مذهبي * فقد صد عنه حديث النبي من الطين ربى برا آدما * وآكله آكل للأب وله أخبار يطول تعدادها في الورع والزهد . ويروى أنه سار ليلا ومعه جماعة من أصحابه ؛ إذ خرج عليهم الخرب « 2 » ، فأخذ الفقيه على أحد الخرب سيفا ومنعهم عن نفسه وعن أصحابه بعد أن قد جرح « 3 » بعضهم ، ثم هرب الخرب ، وبان لهم أن الفقيه ليس هو الذي اغتروا به ، فوصلوا إليه ، واعترفوا بالخطأ ، ثم لم تكد تأتي سنة حتى قد هلكوا أجمع ! ولم يكن له في آخر عمره نظير في الفقه والدين والأخذ بالسنة واتباع الأثر ، وإليه انتهت الرئاسة في الفقه في اليمن أجمع . وكان مسددا في الفتوى ، موفقا للصواب في الجواب ، وانتفع الناس بتصانيفه ، وارتحل بها إلى سائر النواحي ، وعول عليها كافة العلماء . وكانت وفاته ليلة الأربعاء الرابع عشر من المحرم أول سنة ثلاث وسبعمائة ، وقبر إلى جنب قبر أبيه قبلي الذنبتين ، وحضر دفنه غالب أهل الجند ، وجماعة من أعيان فقهاء تعز كالفقيه أحمد بن الصفي « 4 » ، وغيره ، وكان الذين حضروا الصلاة عليه أكثر من ثلاثة آلاف شخص من الناس ، وأمّهم جميعا في الصلاة عليه ولده محمد ، وأنزله قبره الفقيه أحمد بن الصفي المقدم
--> ( 1 ) هذه من المبالغات الصوفية التي كانت رائجة آنذاك ، ولا تزال مثلها تروج في أوساط بعض الناس إلى يومنا . ( 2 ) الخرب : جمع خارب ، وهو اللص ، انظر : العين 1 / 321 . ( 3 ) في ( أ ، د ) بمهملات ، وفي السلوك 2 / 80 ( خرج ) . وما أثبتناه هو الصحيح فيما أظن ، واللّه أعلم . ( 4 ) هو أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن علي عرف والده بالصفي الميموني .