ابن ملقن

75

طبقات الأولياء

وأنشد لنفسه : ذكرت ولم أذكر حقيقة ذكره * ولكن بوادي الحقّ تبدو فأنطق إذا ما بدا ذكر لذكر ذكرته * يغيّبنى عن ذكر ذكرى فأغرق وأغرق بالذكر الذي قد ذكرته * عن الذكر بالذكر الذي هو أسبق وروى : أن زيتونة ، خادمة أبى الحسين ، واسمها فاطمة - وكانت تخدم الجنيد وأبا حمزة « 7 » - قالت : جئت يوما إلى النوري ، وكان يوما شديد البرد والريح ، فوجدته في المسجد وحده جالسا . فأمرني بإحضار خبز ولبن ، فأحضرته . وكان بين يديه قصعة فيها فحم ، فقلبه بيده وهو مشتعل ، ثم أخذ الخبز واللبن ، فجعل اللبن يسيل على يديه ، وفيها سواد الفحم ، فقلت : يا رب ! ما أقذر أولياءك ! ما فيهم أحد نظيف ! . قالت : ثم خرجت من عنده ، فتعلقت بي امرأة وقالت : سرقت رزمة ثياب ! . وجرونى إلى الشرطي . فأخبر النوري بذلك ، فخرج وقال : لا تتعرض لها ، فإنها ولية من أولياء اللّه . فقال الشرطي : كيف أصنع والمرأة تدعى ذلك ؟ ! . قالت : فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة . وانطلق النوري بزيتونة ، وقال لها : تقولين - بعد هذا - يا رب ! ما أقذر أولياءك ؟ ! ، فقالت : قد تبت « 8 » . واعتل النوري ، فبعث الجنيد بصرة فيها دراهم وعاده ، فردها النوري . ثم اعتل الجنيد ، فدخل عليه النوري عائدا ، فقعد عند رأسه ، ووضع يده على جبهته ، فعوفي في ساعته . فقال النوري للجنيد : إذا زرت إخوانك فارفقهم بهذا البر « 9 » .

--> ( 7 ) أبو حمزة : اسمه محمد بن إبراهيم أبو حمزة الصوفي بغدادي وهو مولى عيسى بن أبان على ما ذكره الخطيب وابن الجوزي . انظر ترجمته في : ( تاريخ بغداد 1 / 407 - 410 ، المنتظم لابن الجوزي 12 / 226 ، طبقات الصوفية 297 ) . ( 8 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 5 / 342 ) باختلاف يسير . ( 9 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 5 / 340 ) .