ابن ملقن

74

طبقات الأولياء

ومكث عشرين سنة ، يأخذ من بيته رغيفين . فيخرج إلى سوقه فيتصدق بهما ، ويدخل إلى مسجده ، فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه ، فيذهب إليه . فيظن أهل سوقه أنه تغدى في منزله ، وأهل بيته أنه أخذ معه غداءه ، وهو صائم « 3 » . ودخل الماء ليغتسل ، فجاء لص فأخذ ثيابه ، فخرج فلم يجدها ، فرجع إلى الماء . فلم يكن إلا قليلا حتى جاء بها ، وقد جفت يده اليمنى ، فلبسها وقال : سيدي ! قد رد ثيابي فرد عليه يده ! فردت ومضى « 4 » . ولما سعى بالصوفية إلى الخليفة ، وأمر بضرب أعناقهم ، تقدمهم النوري ، وقد بسط النطع ، قال له السياف : لا أدرى لماذا تبادر ؟ ! وما الذي يعجلك ؟ قال : أوثر أصحابي علىّ بحياة ساعة ! فتحير السياف وأنهى خبرهم إلى الخليفة ، فرد أمرهم إلى القاضي . فألقى القاضي يومئذ على أبى الحسين « 5 » مسائل فقهية . فأجاب عنها ، ثم قال : وبعد ! فإن للّه عبادا إذا قاموا قاموا باللّه ، وإذا نطقوا نطقوا باللّه ! وسرد ألفاظا حتى أبكى القاضي . فأرسل إلى الخليفة ، وقال : إن كان هؤلاء زنادقة ، فما على وجه الأرض موحد ! فخلى سبيلهم « 6 » . وقال : حيل بيني وبين قلبي أربعين سنة ، ما اشتهيت شيئا ، ولا تمنيت شيئا ، ولا استحسنت شيئا منذ عرفت ربى .

--> ( 3 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 5 / 339 ) . ( 4 ) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ( 5 / 340 ) . ( 5 ) في حلية الأولياء ، وتاريخ بغداد : كان القاضي يومئذ إسماعيل بن إسحاق . ( 6 ) وهذا الخبر في تاريخ بغداد وحلية الأولياء باختلاف في اللفظ يسير وله تتمة : « وسأله السلطان يومئذ : من أين يأكلون ؟ فقال : لسنا نعرف الأسباب التي يستجلب بها الأرزاق ، نحن قوم مدبرون ، وقال : من وصل إلى وده أنس بقربه ، ومن توصل بالوداد فقد اصطفاه من بين العباد » .