ابن ملقن
62
طبقات الأولياء
تعالى أوثق منه بما في يده . وقال : اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام . وقال الخراز : كنت بالبادية ، فنالنى جوع شديد ، فغلبتني نفسي أن أسأل اللّه صبرا ، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول « 5 » : ويزعم أنّه منّا قريب * وأنا لا نضيّع من أتانا ويسألنا الفتى جهدا وصبرا * كأنا لا نراه ولا يرانا قال : فأخذني الاستقلال من ساعتي ، فقمت ومشيت . وقال : بقيت إحدى عشرة سنة ، أتردد من مكة إلى المدينة ، ومن المدينة إلى مكة ؛ لا أرى مكة وأرى رب مكة ، فما صح لي منه نفس . فلما كان بعد ذلك تراءى لي بعض الجن ، وقال لي : يا أبا سعيد ! قد - واللّه - رحمتك ، من كثرة تردادك ! ، وقد حضرني شعر ، فاستمع : أتيه فلا أدرى من التيه من أنا * سوى ما يقول الناس في وفي جنسي أتيه على جن البلاد وإنسها * فإن لم أجد خلقا أتيه على نفسي قال أبو سعيد : فقلت له : اسمع - يا من لا يحسن يقول - إن كنت تسمع :
--> ( 5 ) ذكر هذا الخبر أبو نعيم في الحلية في ترجمة : علي بن محمد ( 8 / 378 ) فقال : حدثنا عثمان بن محمد العثماني ، حدثني أحمد بن عبد اللّه ، حدثني أبو الحسين بن يعقوب ، حدثني أحمد بن علي الوصافي ، قال : سمعت أبا الحسين علي بن محمد يقول : كان رجل يسلك البادية على التوكل ، وكان معودا يأتيه رزقه في كل ثلاثة أيام فأنطأ عنه رزقه في اليوم الرابع والخامس ، فأحسن من نفسه بضعف ، فقال : يا رب إما قوة وإما رزق ، فإذا بهاتف يهتف من وراء الجبل : ويزعم أننا منه قريب * وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا القوى ضعفا وعجزا * كأنا لا نراه ولا يرانا