ابن الحسن النباهي الأندلسي

98

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

« جزاك « 1 » اللّه ، يا قاضي ! عنّا وعن نفسك خيرا ! وعن الدين والمسلمين أجلّ جزائه ! وكثّر في الناس أمثالك ! فالذي قلت هو الحقّ » وقام عن مجلسه ذلك « 2 » ، وأمر بنقض سقف القبّة ، وأعاد قرميدها ترابا على صفة غيرها . وكان هذا القاضي على متانته وشدّة جزالته ، حسن الخلق ، خفيف الوطاة ، سهل الجنب ، كثير الدعابة ، منطلق البشر ، حتى إنه ربّما استراب بباطنه من لا يعرفه إذا شاهد استرساله ؛ فإذا دام أحد أن يصيب من دينه ، ثار ثورة اللّيث . ومن ذلك ما حكاه عنه أبو عمر بن لبيب ، أنه حضر « 3 » عند الخليفة الحكم المستنصر باللّه يوما ، في خلوة له ، وهو في البستان على بركة ، في زمان صيف شديد الحرّ والوهج ، وذلك منصرف القاضي من صلاة الجمعة ؛ فشكا إلى الخليفة من قوّة الحرّ جهدا ؛ فأمره بخلع ثيابه ، والتخفيف عن جسمه ؛ ففعل ؛ فلم يطف ذلك ما به ؛ فقال له الحكم : « من الصواب أن تنغمس في هذا الصهريج انغماسة تبرد جسمك وتعدّله . فقم ! فليس هاهنا من تحتشمه » وإنما كان معهما جعفر الصّقلبيّ أثير الخلافة ، لا رابع لهم ؛ فكأنه استحيي من ذلك ، وانقبض عنه وقارا . فأمر الحكم حاجبه جعفرا بسبقه إلى النزول في الصهريج ، ليسهل الأمر فيه على القاضي ؛ فبادر جعفر إلى ذلك ، واتزر ، وألقى بنفسه في الماء ؛ وكان يحسن السباحة . فلم يسع القاضي عند ذلك إلّا إنفاذ أمر الخليفة ؛ فقام ، واتزر وتجرّد ، وألقى بنفسه خلف جعفر ، ولاذ بالعقود في درج الصهريج متبرّدا ؛ فلم ينشط في السباحة ، وجعفر يجول فيه مجاله ، مصعّدا في الصهريج ومصوّبا ، فدسّه الحكم على القاضي ، فهو يدعوه إلى المساجلة في العوم ، ويعجزه في إخلاده إلى القعود ، ويباغيه بإلقاء الماء عليه ، والرشّ له ، والآخر لا ينبعث ، ولا يفارق مكانه إلى أن كلّمه الحكم وقال له : ما لك أيّها القاضي ؟ لا تساعد الحاجب في فعله وتعوم معه ! فمن أجلك تبذّل فيما تبذّل فيه ! » فقال له : يا

--> ( 1 ) هكذا في الروض المعطار : « وفي نفح الطيب : « جازاك » . ( 2 ) في الروض المعطار : « ذلك يستغفر اللّه تعالى ، وأمر . . » وفي نفح الطيب : « ذلك وهو يستغفر اللّه تعالى ، وأمر . . » . ( 3 ) النص في نفح الطيب ( ج 2 ص 18 - 19 ) ومطمح الأنفس ( ص 44 ) وفيه بعض اختلاف عما هنا .