ابن الحسن النباهي الأندلسي

90

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فارفع هذا الوهي » فقام ؛ فحمد اللّه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلّى على نبيّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ثمّ انقطع به القول ؛ فوقف ساكتا ، مفكّرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه . فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد ( وكان ممّن حضر في زمرة الفقهاء ) ، قام من ذاته ؛ فوصل افتتاح أبي عليّ لأوّل خطبته بكلام عجيب ، وفصل صيب ، يسحّه سحّا ، كأنّما يحفظه قبل ذلك بمدّة ، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو عليّ البغداديّ . فقال « 1 » : « أمّا بعد حمد اللّه ، والثناء عليه ، والتعداد لآلائه ، والشكر لنعمائه ، والصلاة على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه ، فإنّ لكلّ حادثة مقاما ، ولكلّ مقام مقالا ، وليس بعد الحق إلّا الضلال . وأني قد قمت في مقام كريم ، بين يدي ملك عظيم ؛ فأصغوا إليّ - معشر الملإ ، بأسماعكم ، وأيقنوا « 2 » عنّي بأفئدتكم ؛ إنّ من الحق أن يقال للمحقّ : صدقت ؟ وللمبطل : كذبت وإنّ الجليل - تعالى في أسمائه « 3 » ، وتقدّس بصفاته وأسمائه - أمر كليمه موسى صلّى اللّه عليه وسلم وعلى جميع أنبيائه أن يذكّر قومه بأيام اللّه عندهم ؛ وفيه وفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ! وإني أذكركم بأيام اللّه عندكم ، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين ، التي لمّت شعثكم « 4 » ، بعد أن كنتم قليلا ، فكثّركم ؛ ومستضعفين فقوّاكم ؛ ومستذلين ، فنصركم ! ولّاه اللّه رعايتكم ، وأسند إليه إمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق ، وأحاطت بكم شعل النفاق ، حتّى صرتم في مثل حدقة البعير ، بضيق الحال ونكد العيش والتقتير ! -

--> ( ص 231 - 234 ) وبغية الوعاة ( ص 198 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 138 - 234 ) وإنباه الرواة ( ج 1 204 ) ومعجم الأدباء ( ج 2 ص 302 - 306 ) وفهرسة ابن خير ( ص 513 - 517 ) ونفح الطيب ( ج 3 ص 70 - 75 ) . ( 1 ) خطبة منذر بن سعيد هذه في نفح الطيب ( ج 1 ص 369 - 371 ) ومطمح الأنفس ( ص 38 ) وأزهار الرياض ( ج 2 ص 273 ) . ( 2 ) في نفح الطيب والمطمح : « والقنوا » . ( 3 ) في نفح الطيب ( ص 369 ) : « في سمائه » . ( 4 ) جملة « لمّت شعثكم » ساقطة من مطمح الأنفس . وفي نفح الطيب : « شعثكم ، وأمّنت سربكم ورفعت فرقكم ، بعد أن . . » .