ابن الحسن النباهي الأندلسي

91

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فاستبدلتم بخلافته من الشدّة بالرخاء ، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد العافية بعد استيطان البلاء . أنشدكم اللّه ، معاشر الملإ ، ألم تكن الدماء مسفوكة ؟ فحنقها ! والسّبل مخوفة ؟ فأمّنها والأموال منتهبة ؟ فأحرزها وحصّنها ! ألم تكن البلاد خرابا ؟ فعمّرها ! وثغور المسلمين مهتضمة ؟ فحماها وزهّرها ! فاذكروا آلاء اللّه عليكم بخلافته ، وتأليفه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته ، حتى أذهب اللّه غيظكم ، وشفى صدوركم ، وصرتم يدا على عدوّكم بعد أن كان بأسكم بينكم ! ناشدتكم « 1 » اللّه ! ألم تكن خلافته قيد الخلافة بعد انطلاقها من عقالها ؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ، ولم يكل ذلك إلى القوّاد والأجناد ؟ حتى باشره بالمهجة والأولاد ، واعتزل النسوان وهجر الأوطان ، ورفض الدعة وهي محبوبة ، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة ، بطويّة صحيحة « 2 » ، وعزيمة صريحة ، وبصيرة نافذة « 3 » ثاقبة ، وريح هابّة غالبة ، ونصره من اللّه واقعة واجبة ، وسلطان قاهر ، وجدّ ظاهر ، وسيف منصور ، تحت عدل منشور « 4 » ، متحمّلا للنّصب ، مستقبلا « 5 » لما نابه في جانب اللّه من التّعب ، حتى لانت الأحوال بعد شدّتها ، وانكسرت شوكة الفتنة عند حدّتها ، ولم يبق لها غارب إلّا جبّه « 6 » ، ولا نجم لأهلها قرن إلّا جدّ « 7 » ! فأصبحتم بنعمة اللّه إخوانا ، وبلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائكم أعوانا ، حتّى تواترت لديكم الفتوحات ، وفتح اللّه عليكم خلافته أبواب البركات « 8 » ، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم ، وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم ، يأتون من كل فجّ عميق ، وبلد سحيق ، لأخذ حبل منه ومنكم « 9 » جملة وتفصيلا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً *

--> ( 1 ) هكذا في مطمح الأنفس . وفي نفح الطيب : « أنشدكم » . ( 2 ) في مطمح الأنفس : « خالصة » وفي نفح الطيب ( ص 370 ) : « صحيحة » . ( 3 ) في مطمح الأنفس ونفح الطيب : « ثابتة » . ( 4 ) في نفح الطيب : « مشهور » . ( 5 ) في نفح الطيب : « مستقلّا » . ( 6 ) جبّه : قطعه ، لسان العرب ( جبب ) . ( 7 ) في نفح الطيب : « جذّه » . ( 8 ) في مطمح الأنفس : « فقد فتح اللّه تعالى عليكم أبواب البركات ، وتواترت عليكم أسباب الفتوحات » . وفي نفح الطيب : « أبواب الخيرات والبركات » . ( 9 ) في نفح الطيب : « حبل بينه وبينكم .