ابن الحسن النباهي الأندلسي
82
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
بين طليطلة وبجّانة ، بسيرة عادلة ، التزم فيها الصرامة في تنفيذ الحقوق ، وإقامة الحدود ، والكشف عن الشهود . قال ابن الفرضي « 1 » : وكان حافظا للرأي ، معتنيا بالآثار ، جامعا للسّنن ، متصرّفا في علم الإعراب ومعاني الشعر . استقضاه الناصر ؛ وكان آخر ما ولّاه قضاء البيرة ، وقلّده مع القضاء أمانة الكورة ، والنظر على عمّالها ؛ فكانوا لا يقدّمون ولا يؤخّرون إلّا عن أمره ، ولا يظلم أحد في جانب من جوانبها إلّا نصره وكان معه . ثمّ نقله فولّاه قضاء الجماعة بقرطبة في ذي الحجة سنة 326 « 2 » . وأقرّ محمّد بن أيمن على الصلاة ، إلى أن ضعف ابن أيمن ، فاستعفى ؛ فعفاه الناصر لدين اللّه ، وجمعها لابن أبي عيسى ؛ فتولّاها إلى أن مات . وكان الخليفة لا يخليه ، مع قيامه له بالقضاء ، من تصريفه في مهمّات أموره ، وإخراجه في السفارات إلى كبار الأمراء ، والأمانات إلى الثغور والأطراف للإشراف عليها ، وللإعلام بمصالحها ، والبنيان لحصونها ، وترتيب مغازيها ، وإدخال جيوشها إلى بلد الحرب ؛ وربما أقامه في ذلك مقام أصحاب السيوف من قوّاد جيوشه ؛ فيغني غناءهم بحسن تدبيره ، وصحيح ديانته ، وصريح مناصحته . فاستخلف في خرجة من خرجاته الفقيه ابن زونان ؛ فصلّى جمعة . ثم كتب إلى الخليفة عبد الرحمن بن محمّد يقول : « إنّه شيخ من شيوخ المسلمين ، ومن أهل العلم فيهم ، وولاؤه أشرف الولاء ، إذ كان مولى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فكيف يكون مع هذا مخالفا لابن أبي عيسى ؟ وهو صبي في عدد ولده ! يسأل أمير المؤمنين أن يأنف له من هذا » . فأعرض الخليفة عنه ؛ ولم ير بابن أبي عيسى بديلا . وانصرف القاضي من وجهته مستعجلا ، وقد اتّصل به ما كان من ابن زونان ؛ فأضرب عنه ، واستخلف غيره . وذكر ابن مفرّج أنّ رجلا من أصحاب ابن أبي عيسى أتاه ليلا ، فذكر له أنّ فقيهين مشهورين يقدمان عليه في قصّة سمّاها له بشهادة مدخولة . فلمّا كان من الغد ، أتاه أحدهما ؛ فأعرض عنه القاضي ، وتبسّم في وجهه لعلّه يقوم ، فيكفي شأنه ، فتمادى . ولمّا رأى عزمه على أداء الشهادة ، تناول القاضي سحاءة بين يديه ؛ فكتب
--> ( 1 ) ينقل عن ابن الفرضي بتصرّف . ( 2 ) لهنا ينتهي النقل عن ابن الفرضي .