ابن الحسن النباهي الأندلسي

81

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

صلاة الجمعة ؛ وإن بلغ دماؤه ، فإنّه لا يصلّيها ! » . وحمله على إعلام الأمير محمّد بذلك ، والكتب إليه ، ليرتاد الصلاة قبل الضيعة . فقال له هاشم : « انظر ما تحكيه ! فليست له عندنا مقدمة . أنت رأيته بعينك الساعة على هذه الحال ؟ » قال : « نعم ! هذا خروجي من عنده إليك » فقال هاشم : « ما بعد هذا شيء » ثمّ وضع يده ، وكتب إلى الأمير يخبره بما حكاه ابن يزيد ، من شدّة مرض القاضي سليمان ، ويأسه من قيامه للصلاة ، وتحرّكه للنظر فيمن يصلّي مكانه . فلمّا قرأ الأمير كتابه ، استراب فيه ، وفكّر في الأمر . فوقف على أنّ إبراهيم شديد الشهوة في الصلاة ، واستحال عنده أن لم يسمع بأوّل مرض قاضيه ولا بانتهائه ؛ فعلم بجودة نظره أنّ في الخبر خللا . فقال لخادم من خدّامه ، من وجوه صقالبته : « انطلق الساعة ، وادخل على القاضي سليمان بن الأسود ، وانظر حاله وما تجده عليه ! فإن وجدته متخفّفا ، يتكلّم ، ويهين عن نفسه ، فتسأله إن كانت به طاقة على الصلاة والخطبة أم لا ؟ » فأتى الفتى إلى سليمان ، ودخل عليه ؛ فوجده جالسا جلوس صحيح ؛ فروى له عن بعض الخبر ، وألطف مسألته ؛ فأنكرها سليمان وقال : « ها أنا رائح بحمد اللّه » ودعا بوضوئه بحضرة الرسول ؛ فتوضّأ ، ولبس ثيابه ، وخرج مع الرسول ، ساعيا على قدميه ، إلى المسجد الجامع ، فرجع الفتى إلى الأمير ، وأعلمه بالقصّة على وجهها ، وبخروجه معه . فضحك منه وقال : « لقد طيّب سليمان في ابن يزيد ولعب به لعب الصبا وحرّك منه ساكنا » وصار يضحك مع هاشم بذلك عدّة أيّام ، حتّى شاع ذكره في العامّة . وعاش ابن أسود هذا تسعة وتسعين عاما وعشرة أشهر . وكانت مدّة قضائه منها ، على ما حكاه ابن عبد البرّ ، اثنين وثلاثين عاما - غفر اللّه لنا وله ، وأرضى عنّا خلقه وعنه . ذكر القاضي محمّد بن عبد اللّه بن أبي عيسى « 1 » ومن القضاة ، محمّد بن عبد اللّه بن أبي عيسى . ولي قضاء عدّة من الكور ، ما

--> ( 1 ) ترجمة ابن أبي عيسى في قضاة قرطبة ( ص 233 - 236 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 718 - 719 ) وجذوة المقتبس ( ص 74 ) وبغية الملتمس ( ص 111 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 373 ) و ( ج 2 ص 12 - 15 ) .