ابن الحسن النباهي الأندلسي

66

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

تقرّعه به . قال : فبكى وقال : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! ما أظنّ الرجل إلّا خدعنا فيه » ثمّ ترحّم عليه ، واستغفر له » . ذكر القاضي المصعب بن عمران « 1 » وقد تقدّم الكلام في إباية المصعب بن عمران عن القضاء ، أيّام خلافة الأمير عبد الرحمن بن معاوية « 2 » . فلمّا ولي ابنه هشام « 3 » الملك ، اختار المصعب للقضاء ، واستحضره ، وقال له : « قد علمت أنه إنما منعك عن القبول من أبي - رحمه اللّه - الأخلاق التي كانت فيه . وقد عرفت أخلاقي وبلوتها : فاحمل عنّي همّ القضاء » فأباه واستعفاه ؛ فغضب هشام ، وعزم عليه عزما شديدا ، وتهدّده ، وأوعده . وذكر بعضهم أنه قال : « لئن لم تعمل على القضاء ، لأسطونّ بك سطوة تزيل اسم الحلم عني » فلمّا رأى ذلك ، وخاف على نفسه ، تولّى له العمل كرها ؛ واشترط على هشام أن يأذن له في اطّلاع ضيعته يومين في الجمعة ؛ السبت والأحد ، ويحكم لسائر الأيام ، فأجابه إلى ذلك . ولم يزل على قضاء الأمير هشام إلى أن توفي ؛ فأقرّه ابنه الحكم ؛ وكان قد عرف صلابته وتنفيذه الأحكام ؛ فاشتدّ معه ، وصار يؤيّده ، ولا يسمع فيه مقالة طاعن ، ويجيز أفعاله ، وينفذ أحكامه ، وإن وقعت بغير المحبوب منه . وفي كتاب الحسن بن محمد : إنّ العبّاس بن عبد الملك المروانيّ اغتصب رجلا من أهل جيّان ضيعته ، فبينا هو ينازعه فيها ، هلك الرجل ، وترك أيتاما صغارا . فلما ترعرعوا ، وسمعوا بعدل القاضي مصعب وقضائه ، قدموا قرطبة ، وأنهوا إليه مظلمتهم بالعبّاس ، وأثبتوا ما وجب إثباته ؛ فبعث القاضي في العبّاس ، وأعلمه بما دفعه إليه الأيتام ، وعرّفه بالشهود عليه ، وأعذر إليه فيهم ، وأباح له المدافع ، وضرب له الآجال . فلمّا انصرمت ، ولم يأت بشيء ، أعلمه أنه ينفذ الحكم عليه . ففزع

--> ( 1 ) ترجمة القاضي المصعب بن عمران في قضاة قرطبة ( ص 67 - 72 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 144 ) . ( 2 ) تقدم ذلك ( ص 27 ) . ( 3 ) ولي هشام بن عبد الرحمن الأول إمارة الأندلس من سنة 172 ه إلى سنة 180 ه . ترجمته في جذوة المقتبس ( ص 10 ) وبغية الملتمس ( ص 13 ) والحلة السيراء ( ج 1 ص 42 - 43 ) .