ابن الحسن النباهي الأندلسي
67
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
العبّاس إلى الأمير الحكم ، وسأله أن يوصي إلى القاضي التخلّي عن النظر في قصّته ، ليكون هو الناظر فيها . فأوصل إليه الأمير ذلك مع خليفة له من أكابر فتيانه ؛ فلمّا أدّى الوصية إليه ، اشتدّت عليه ، وقال : « إن القوم قد أثبتوا حقّهم ! ولزمهم في ذلك عناء طويل ونصب شديد ، لبعد مكانهم ، وضعف حالتهم . وفي هذا على الأمير - أعزّه اللّه - ما فيه ! فلست أتخلّى عن النظر وإنفاذ الحكم لوجهه . فليفعل الأمير بعده ما يراه صوابا من رأيه » فرجع الرسول إلى الأمير بجوابه ، فوجم منه ؛ وجعل العبّاس يغريه بمصعب ، ويقول : « قد أعلمت الأمير بشدّة استخفافه وغلطه في نفسه ، وتقديره أنّ الحكم له ، ولا حكم للأمير عليه » فأعاد الإرسال إليه بعزمه منه ، يقول : « لا بدّ لك من أن تكفّ عن النظر في هذه القضية ؛ لأكون أنا الناظر فيها » فلمّا جاءه بعزمته ، أمره بالقعود ؛ ثمّ أخذ قرطاسا ، فسوّاه ، وعقد فيه حكمه للقوم بالضّيعة ؛ ثمّ أنفذه لوقته بالإشهاد عليه . ثمّ قال للرسول : « اذهب إلى الأمير - أصلحه اللّه - فاعلمه أني قد أنفذت ما لزمني إنفاذه من الحقّ خوف الحادثة على نفسي ، ورهبة السؤال عنه . وإن شاء نفذه ، فذلك له ! يتقلّد منه ما شاء » فذهب مغضبا ، وحرق كلام القاضي ؛ وحكي عنه أنه قال : « قد حكمت بالعدل ؛ فلينقضه الأمير إن قدر ! » فاستشاط غيظا ، وأطرق مليّا ، والعبّاس يهيج غضبه ! وهمّ بمصعب ، إلى أن تداركته عصمة من اللّه ، ثبّتت بصيرته ، فسري عنه ، وقال للعبّاس : « اربع على ظلعك » « 1 » ! فما أشقاه من جرى عليه قلم القاضي ! فقف عند أمره ! فإنه أشبه بنا وأولى بك » وأقام على حسن رأيه في القاضي ، ولم يعرضه . وقول الأمير : « اربع على ظلعك » معناه : « إنك ضعيف فانته عمّا لا تطيقه » . قال صاحب « الأفعال » : أربعت على الشيء : عطفت عليه ؛ ومنه : اربع على نفسك : قال أبو عثمان : معناه : الزم أمرك وشأنك . قال : وتمثّل المأمون ، حين وضع رأس محمد المخلوع بين يديه ، بقول الشاعر : [ البسيط ]
--> ( 1 ) اربع على ضلعك : توقّف ؛ ومنه قول المتنبي [ الكامل ] : أقصر ولست بمقصر جذت المدى * وبلغت حيث النجم تحتك فاربعا ديوان المتنبي ( ص 116 ) ، ومحيط المحيط ( ربع ) .