ابن الحسن النباهي الأندلسي

56

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وهل لا جناح على معسر * يدافع باللّه ما لا يطيق فأمر القاضي بإحضار مائة دينار ودفعها عنه ، فعجب الراضي من أدب الرجل وكرم القاضي ، وبحث عن الناظم ؛ فلمّا وجده ، أمر له بألف دينار ، وخمس خلع ، ومركوب حسن ، وملازمة دار السلطان . ذكر القاضي أبي بكر الباقلّانيّ « 1 » ومن القضاة بالعراق أيضا ، أبو بكر محمد بن الطيب ، المعروف بالباقلّانيّ ، المالكيّ ، المتكلّم على مذهب أهل الحديث وطريقة الأشعريّة . إمام وقته ، وعالم عصره ، المرجوع إليه فيما أشكل على غيره . ومن كلام الصّيرفيّ فيه : كان صلاح القاضي أكثر من علمه . وما نفع اللّه هذه الأمّة بكتبه وبثّها فيهم ، إلّا بحسن نيّته ، واحتسابه بذلك ما عند اللّه من الثواب . ونقلت من خطّ القاضي أبي الفضل ، وقد ذكره في « مداركه » ما نصّه : حكى أبو بكر الخطيب أنّ ورد القاضي كلّ ليلة ، كان عشرين ترويحة ؛ ما تركها في حضر ولا سفر . وكان كلّ ليلة ، إذا صلّى العشاء ، وقضى ورده ، أخذ الدواة بين يديه ، وخمسا وثلاثين ورقة ، تصنيفا يكتبها عن حفظه . وكان يذكر أنّ كتابه بالمداد أسهل عليه من الكتاب بالحبر . فإذا صلّى الفجر ، دفع إلى بعض أصحابه ما ضبطه ليلته ، وأمر بقراءته عليه ، وأومأ إلى الزيادات فيه . وكان بعضهم يقول : جاء في الأثر أنّ اللّه تعالى يتعاهد عباده بأنبيائه ورسله ؛ فلمّا ختم الرسالة بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلم تعاهد أمّته بربّانيّ من علمائها ، يحيى أحاديثها ، ويجدّد شريعتها . فكان إمام رأس الأربعمائة أبو بكر بن الطيّب . أخذ عنه العلم جماعة لا تعدّد لكثرتها ؛ ودرسوا عليه أصول الفقه والدين ؛ منهم القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن نصر ، ومن أهل المغرب أبو عمران الفاسيّ ، رحل إليه ولازمه

--> ( 1 ) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ، من كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة . ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها سنة 403 ه . ترجمته في وفيات الأعيان ( ج 4 ص 269 - 270 ) وتاريخ بغداد ( ج 5 ص 379 . 383 ) والوافي بالوفيات ( ج 3 ص 177 ) وترتيب المدارك ( ج 4 ص 585 ) وتبيين كذب المفتري ( ص 217 ) والديباج المذهب ( ص 267 ) والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم ( ج 7 ص 265 ) والعبر في خبر من غبر ( ج 3 ص 86 ) وشذرات الذهب ( ج 3 ص 168 ) .