ابن الحسن النباهي الأندلسي

57

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

ببغداد ، وأخذ عنه ، وكان أعرف الناس بعلم الكلام ، وأحسنهم فيه خاطرا ، وأجودهم لسانا ، وأوضحهم بيانا ، وأصحّهم عبارة . وصار له اختصاص بعضد الدولة ، ولما وجّهه سفيرا عنه إلى ملك الروم ، ليظهر به رفعة الإسلام ، ويغضّ من النصرانيّة ، وتهيّأ للخروج ، قال له وزير الدولة : « أأخذت الطالع لخروجك ؟ » فسأله أبو بكر . فلمّا فسّر مراده ، قال : لا أقول بهذا ؛ لأنّ السعد والنحس والخير والشرّ بيد اللّه ! ليس للكواكب هاهنا مثقال ذرّة من القدرة ؛ وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعّش بها الجاهلون من العامة ؛ ولا حقيقة لها » . فقال الوزير : « احضر إليّ ابن الصوفيّ » وقد كان له تقدّم في هذا الباب ، فلمّا حضره ، دعاه الوزير إلى مناظرة القاضي ، ليصحّح ما أبطله بزعمه . فقال ابن الصوفيّ : « ليست المناظرة من شأني ، ولا أنا قائم بها ، وإنما أحفظ علم النجوم وأنا أقول : إذا كان من النجوم كذا ، يكون كذا ! وأمّا تعليله ، فهو من علم أهل المنطق وأهل الكلام » . وجرت له في ذلك الوجه بالقسطنطينية بين يدي ملكها ، مع بطارقته ونبلاء ملّته ، مناظرات ومحاورات ؛ منها أنّ الملك قال له : « هذا الذي تدعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر ، كيف هو عندكم ؟ » قلت : « هو صحيح عندنا . وانشقّ القمر على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك ، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره له في تلك الحال » . فقال الملك : « وكيف لم يره جميع الناس ؟ » قلت : « لأنّ الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره » . فقال : « وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة ، لأيّ شيء لم تعرفه الرّوم وغيرها من سائر الناس ، وإنما رأيتموه أنتم خاصّة ؟ » قلت : « فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة ، وأنتم رأيتموها دون اليهود ، والمجوس ، والبراهمة ، وأهل الإلحاد . وخاصّة يونان جيرانكم ؛ فإنهم كلّهم منكرون لهذا الشأن ! » فتحيّر الملك وقال في كلامه : « سبحان اللّه » وأمر بإحضار فلان القسّيس ليكلّمني ، وقال : « نحن لا نطيقه » . فلم أشعر إذ جاءوا برجل كالدبّ أشقر الشعر ؛ فقعد . وحكيت له المسألة ؛ فقال : « الذي قال المسلم لازم . ما أعرف له جوابا ، إلّا الذي ذكره » . فقلت له : « أتقول إنّ الكسوف ، إذا كان ، أيراه جميع أهل