ابن الحسن النباهي الأندلسي

54

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

القضاء ، وحسن مذهبه فيه ، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره ، فهو شيء شهرته تغني عن ذكره . وكان في أكثر أوقاته ، وبعد فروغه من الخصوم ، متشاغلا بالعلم ؛ لأنه اعتمد على حاجبه أبي عمر محمد بن يوسف ، وعلى كاتبه أبي العبّاس المعروف بالباز الأشهب ، فكانا يحملان عنه أكثر أمره ، من لقاء السلطان وغيره ، وأقبل هو على الحديث والعلم . وكان شديدا على أهل البدع يرى استنابتهم ، حتى ذكر أنهم تحاموا ببغداد في أيامه ، وخرج داود « 1 » بن عليّ من بغداد إلى البصرة لإحداثه منع القياس . وحبس أبا زيد ، إذ أنكر عليه بعض ما حدّث به . وقد تقدّم صدر هذا الكتاب أنه كان يقول : « من لم تكن له فراسة ، لم يكن له أن يلي القضاء » . وقيل له : « لا تؤلف كتابا في أدب القضاء ؟ » فقال : « اعدل ومدّ رجليك في مجلس القضاء وهل للقاضي أدب غير الإسلام » ؟ . قال أبو طالب المكيّ ، وقد ذكره : كان إسماعيل من علماء الدنيا ، وسادة القضاة ، وعقلائهم . وكان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد ، أحد علماء الباطن . فلمّا ولي إسماعيل القضاء ، هجره ابن أبي الورد . ثمّ اضطرّ أن دخل عليه في شهادة ؛ فضرب بيده كتف إسماعيل ، وقال : « إنّ علما أجلسك هذا المجلس ، لقد كان الجهل خيرا منه » فوضع إسماعيل رداءه على وجهه ، وبكى حتّى بلّه . ولما كانت محنة غلام الخليل ، ومطالبة الصوفية ببغداد ، ونسبتهم إلى الزّندقة ، وأمر الخليفة بالقبض عليهم ، وكان فيمن قبض عليه شيخهم إذ ذاك أبو الحسن النوويّ ، فلمّا دخلوا على الخليفة ، أمر بضرب أعناقهم ؛ فتقدّم النوويّ مبتدءا إلى السيّاف ليضرب عنقه . فقال له : « ما دعاك إلى هذا دون أصحابك ؟ » قال : « آثرت حياتهم على حياتي بهذه اللحظة » ، فرفع الأمر إلى الخليفة ؛ فردّ أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل . فقدّم إليه النوويّ وسأله عن مسائل من العبادات . فأجابه ؛ ثمّ قال له : « وبعد هذا ، للّه عباد يسمعون باللّه ، وينطقون باللّه ، ويصدرون باللّه ، ويردون باللّه ، ويأكلون باللّه ، ويلبسون باللّه ! » فلمّا سمع إسماعيل مقالته ، بكى . ثمّ دخل على الخليفة ؛ فقال : « إن كان هؤلاء القوم زنادقة ، فليس في الأرض موحّدون ! » فأمر بإطلاقهم .

--> ( 1 ) في الأصل : « داود » .