ابن الحسن النباهي الأندلسي

48

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

هذه الأمة وأؤدّبهم على دنياهم . ولعمري إنه من لم تصح دنياه ، فسدت أخراه . وفي صلاح الدنيا إذا صحّ المطعم والمشرب ، صلاح الآخرة . وقد حدّثني ابن وهب ( ورفع سحنون سنده ) أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « نعم المطيّة الدّنيا ! فارتحلوها ! فإنها تبلغك الآخرة ! ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق اللّه » وأما قولك « وليت أمر هذه الأمة » ، فإني لم أزل مبتلى ، ينفذ قولي منذ أربعين سنة في أبشار « 1 » المسلمين وأشعارهم . ومن كلام عبد اللّه بن أبي جعفر : لن تزالوا بخير ما تعلّمتم . فإذا احتيج إليكم ، فانظروا كيف تكونون . وإنما المفتي قاض يجوز قوله في أبشار المسلمين وأموالهم . فعليك بالدعاء ! فالزم ذلك نفسك ! والسلام » . وكان سحنون يؤدّب الناس على الأيمان التي لا تجوز ، من الطلاق والعتاق ، حتى لا يحلفوا بغير اللّه ؛ ويؤدّبهم على سوء الحال في لباسهم وما نهي عنه ، ويأمرهم بحسن السيرة والقصد . وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ؛ فأقامهما ، وأبى أن يسمع منهما ، وقال : « استرا عنّي ما ستر اللّه عليكما » وهو أوّل من نظر في الحسبة من القضاة ، وأمر بتغيير المنكر ، وأوّل من فرّق حلق « 2 » البدع من الجامع ، وشرّد أهل الأهواء منه ؛ وأوّل من جعل الودائع عند الأمناء ، وكانت قبل في بيوت القضاة . قال عيسى بن مسكين : فحصل الناس بولايته على شريعة من الحقّ ؛ ولم يل قضاء إفريقية مثله . ويقال إنه ما بورك لأحد ، بعد أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما بورك لسحنون في أصحابه ؛ فإنهم كانوا أئمة بكلّ بلدة . وكان الذين يحضرون مجلسه من العبّاد أكثر من طلّاب العلم . كان يقول : « ما أحبّ أن يكون عيش الرجل إلّا على قدر ذات يده . ولا يتكلّف ما في وسعه ؛ وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكله بالعلم والقرآن » . وهو القائل : « من لم يعمل بعلمه ، لم ينفعه العلم ، بل يضرّه . وإنما العلم نور يضعه اللّه في القلوب ؛ فإذا عمل به ، نوّر اللّه قلبه ؛ وإن لم يعمل به ، وأحبّ الدنيا ، أعمى حبّ الدنيا قلبه ، ولم ينوّره العلم » . وكان يقول : « ترك الحلال أعظم

--> ( 1 ) الأبشار : جمع البشر وهم الخلق أو الإنسان ذكرا كان أو أنثى . محيط المحيط ( بشر ) . ( 2 ) الحلق : جمع حلقة ، وحلق الدرع وحلقات الدرع ، ما تداخل بعضه في بعض عند سردها . محيط المحيط ( حلق ) .