ابن الحسن النباهي الأندلسي
49
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
من جميع عبادة اللّه ؛ وترك الحلال للّه أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة اللّه » . وقال : « ترك دانق « 1 » ممّا حرّم اللّه أكثر من سبعين ألف حجّة ، يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبّلة ، وأفضل من سبعين فرسا في سبيل اللّه بزادها وسلاحها ، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت اللّه العتيق ، وأفضل من عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل » . قال صاحب « المدارك » : فبلغ كلامه هذا لعبد الجبّار بن خالد ؛ فقال : « نعم ! وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضّة كسبت وأنفقت في سبيل لا يراد بها إلّا وجه اللّه » . وهذا القول بناء على أنّ التروك لا توازيها الأفعال . وكذلك القول في مسألة ترك الحلال للّه إنه أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة اللّه ممّا وقع فيه الاختلاف بين العلماء . قال عزّ الدين أبو محمد بن عبد السلام السّلميّ : فقالت طائفة تركها أفضل . وقال آخرون : بل فعله مع السلامة أولى . قال صاحب « الرعاية » : لأنه قد اكتسب من العمل ما لم يكتسب غيره وإنما يسأل عن ذلك كما يسأل عن الصلاة والصيام ليثاب عليه وإنما أمر بالترك خوفا أن لا يسلم . وتوفّي سحنون - رحمه اللّه - صدر شهر رجب سنة 240 ، ودفن من يومه ، وصلّى عليه الأمير محمد بن الأغلب . ولم يأخذ لنفسه ، مدّة قضائه ، من السلطان شيئا . ذكر القاضي عيسى بن مسكين ومنهم عيسى بن مسكين بن منصور ، سمع من سحنون بالقيروان ، وسمع بمصر من الحارث بن مسكين ، ومحمد بن الموّاز ، وغيرهم . وكان رجلا صالحا ، فاضلا ، طويل الصمت ، رقيق القلب ، متفنّنا في العلوم ، وكيفيّة ولايته القضاء أنّ الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب « 2 » كان قد اضطرّ يحيى بن عمر إلى ولاية القضاء ، فقال له : « إن دللتك على من هو أفضل منّي ، في الوجه الذي تحبّ ،
--> ( 1 ) الدانق : الأحمق والسارق ، محيط المحيط ( دنق ) . ( 2 ) إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية ، وقد توفي سنة 289 ه . البيان المغرب ( ج 1 ص 116 - 124 ) والعبر لابن خلدون ( م 4 ص 14 ، 417 - 421 ) .